سقف مدرج قرية الرحى

سقف مدرج قرية الرحى - مساعدة عاجلة
تم المباشرة في اعمال وضع سقف لمدرج قرية الرحى فنرجو من الاهالي والفعاليات التي ترغب بالتبرع لوقف قرية الرحى
من اجل المساعدة في انجاز هذا العمل عن طريق رقم الحساب:-
001-091729-801
لجنة وقف الرحى
 

ساهموا بدعم موقع بوابة المجتمع المحلي لقرية الرحى  باعلانكم معنا

باسعار منافسة جدا للاستعلام عن طريق الاميل

ahedalraha@gmail.com

او عن طريق هــ 967150694-00963

 

صور من الرحى

  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
  • An Image Slideshow
 
 
 
 
 
 

في ذمة الله 2011-2012







مأمون سلامة ابوراس / عماد شاهين ابوصعب /محمد صياغة/ ابوطارق فوزي صعب/ الشهيد صفوان حسان./ابو فهد نايف ابوراس/ابوعلم حسين ابودرهمين/ابوغسان فاضل مقلد/ابورافت سلامي ابوراس.فضل الله ابوغاوي/شادي نايف صياغة/باسل نايف صياغة/محمد فرحان ابوراس





 
 

مدير الموقع

يرجى ارسال ارائكم واقتراحاتكم الى مدير الموقع عاهد ابودرهمين

على الاميل ahed_1981@yahoo.com

او على الرقم 0967150694

 

صور منوعة

nat1 (5)
Image Detail
 
 

اخبار من هنا وهناك







كشفت لنا شركة سامسونج الكورية قبل أيام من موعد مؤتمر MWC 2012 عن الهاتف المحمول Samsung Galaxy Ace 2 والذي يتمتع بالمواصفات التالية: المعالج: ثنائي النواة بسرعة 800 ميجا هرتز الشاشة: 3.8 انش بدرجة وضوح WVGA السعة الداخلية: 4 جيجا بايت البطارية: 1599 ملي أمبير الهاتف يدعم تقنية الملاحة GPS/GLONASS/أعلنت شركة LG اليوم أنها ستكشف عن جهازها المحمول الجديد Optimus 3D Max خلال مؤتمر MWC 2012/ كشفت شركة سوني عن أحدث إصدارها من كاميرات Cyper-shot، كاميرا (WX30) وكاميرا (TX55) بسمك 12.2 مليمتر، والتي تم وصفها بأنها الأنحف في العالم تدعم تصوير الفيديو بتقنية hd .//..أعلنت سامسونج، يوم الاثنين، أنها طرحت مجموعة جديدة من كومبيوتراتها الدفترية من سلسلة "The Samsung Series 3"، على موقع أمازون للبيع في الولايات المتحدة الأمريكية...//تعرضت غوغل، يوم الأحد، لفيروس يقوم بتحويل مستخدمي عملاق محركات البحث إلى موقع "طرف ثالث"، حيث تعرض أكثر من مليون مستخدم للإصابة بهذا الفيروس ..//قالت شركة هوندا موتور اليابانية للسيارات إنها ستسحب حوالى 200 الف سيارة على مستوى العالم بسبب مشاكل في أجزاء المحرك..//عطل عملاق التواصل الاجتماعي "فيسبوك" حساب شخصي لأحد مطوري التطبيقات، لأنه خالف شروط الاستخدام، والإعلان الخاصة بالشبكة بترويجه لشبكة "غوغل بلاس". ..//قالت شركة أل جي للالكترونيات ثالث أكبر شركة مصنعة للهواتف النقالة إنها ستطرح هاتف أوبتموس ثلاثي الأبعاد في السوق المحلي الأسبوع الجاري آملة في أن يشكل الهاتف الجديد نقطة التحول لأعمال صناعة الهواتف الخاسرة. ..//





 

مشاركات المنتدى

 

ترتيب الموقع عالميا

 
من الرحى إلى الهملايا PDF طباعة أرسل لصديقك
كتـب محمود عباس مسعود   
الخميس, 22 يوليو 2010 08:18


من الرحى إلى الهملايا

 

قصة حياة حمد عباس مسعود

(1935  - 2006)

بقلم
محمود عباس مسعود

هذه السيرة منشورة في مواقع أخرى تحت عنوان
 - من جبل حوران إلى الهملايا -

كلمة في هذه السيرة

منذ حوالي الأربع سنوات تقريباً تم نشر كتاب (المذهب الروحاني) تحت إسم شقيقي المرحوم حمد. وبحسب ما سمعت أن الكتاب لاقى قبولاً واسعاً لدى المهتمين بالروحيات. وكنت قد كتبت كلمة في الكتاب أوضحت فيها أن التباساً حصل في إسم المؤلِف. فالكتاب أصلاً من وضع المرحوم عبد الله إباحي، إنما لعب شقيقي حمد دوراً كبيراً في حفظ محتويات ذلك الكتاب الذي يعتبر من الكنوز الأدبية والروحية على وجه الخصوص.
شقيقي حمد عثر على نسخة قديمة نادرة من ذلك الكتاب في كندا في ستينيات القرن الماضي وكأنه وقع آنذاك على كنز ثمين. وبما أن الكتاب كان نافد الطبعة فقد قام بنسخ قسم كبير منه بيده وأرسل تلك النسخة الخطيّة إلى شقيقي محمد في سورية.
وقد علمت أنه لدى اطلاع بعض المهتمين بالمسائل الروحية على الكتاب اقترحوا طبعه لتعميم الفائدة، فطـُبع باسم حمد عباس مسعود.
ومع اعترافي بالفضل لمؤلف الكتاب الأصلي المرحوم عبد الله إباحي إنما أود التأكيد أن ما بذله شقيقي حمد من جهد في جمع مواد ذلك الكتاب وتنقيح وتبويب بعضها يؤهله لأن يحمل الكتاب إسمه. إذ لولاه لضاع الكتاب الأصلي وضاعت معه فوائده الجمة. وقد بحثتُ عن نسخة الكتاب الأصلية في كل المكتبات المتوفرة على الإنترنت فلم أعثر ولو على واحدة منها.
إثر طبع الكتاب واطلاع الناس عليه أخذ الكثير منهم يبدون رغبة قوية في معرفة المزيد عن شقيقي حمد الذي صرف شطراً كبيراً من حياته في البحث عن الحقيقة سواء في كندا أو في الهند. وقد أتتني رسائل من بلدان شتى يطلب أصحابها مني وضع سيرة حياة شقيقي المرحوم الذي اختط سبيلا فريداً لنفسه وعاش القسط الأخير من عمره في عزلة شبه تامة ارتضاها لنفسه بما يلائم ميوله وتوجهاته الروحية التي احتلت جزءاً كبيراً من حياته ولعبت دوراً بارزاً في تكوين شخصيته.
وبما أنني أكثر الناس معرفة به حيثني عشت معه لعدة سنين في كندا، وتلبية لطلب المهتمين بسيرة حياته كان هذا الكتاب.
لن أتطرق إلى كل النواحي المتعلقة بشخصية شقيقي حمد إلا بقدر ما يقتضي الواجب ويهم الراغبين بمعرفة الجانب الروحي من حياته.
فإلى الذين اتصلوا بي من قريب وبعيد وطلبوا مني أن أحقق لهم هذه الأمنية أقدم هذا الجهد المتواضع مع شكري العميق لمشاعرهم الطيبة ومودتهم الصادقة لشقيقي المرحوم الذي أحبوه دون أن يعرفوه واستقطبت نشاطاته الروحية اهتمامهم العميق.
وقد علمت – بعد نشر السيرة - أن الدكتور ندرة اليازجي عضو اتحاد الكتاب العرب في سورية و الوطن العربي وعضو جمعية البحوث والدراسات قد أبدى اهتماماً خاصاً بها، بل وبعث إليّ عن طريق المرحوم حمادة فرج يطلب المزيد من المعلومات عن شقيقي حمد وتحديداً عن العوامل التي ساهمت في تكوين الجانب الروحي من شخصيته.
كما اتصل بي المخرج السينمائي عارف يوسف من سويسرا معرباً لي عن إعجابه الشديد بالسيرة وعن رغبته في إخراجها على هيئة فيلم لأنه وجد بها مادة غنية تصلح للإنتاج السينمائي. 
ولا بد أن صاحب هذه السيرة يبعث من أثير الروح بأمواج المحبة والأماني الطيبة لكل من يرسل تلك الأمواج إليه من هذا العالم إلى حيث روحه الطيبة الآن في عالمها الروحاني الذي طالما تشوقت إليه وعملت جاهدة للتواصل معه.
محمود

كانت نشأتنا متواضعة في إحدى قرى جبل العرب هي قرية الرحى القريبة من مدينة السويداء. وبما أنني مغترب عن تلك المنطقة منذ أكثر من أربعين عاما فإن ذكرياتي الأولى المتصلة بشقيقي حمد تعود إلى تلك الحقبة البعيدة حيث البيت المصنوع من الحجر والطين والمكوّن من غرفتين ريفيتين مسقوفتين بقطع من الحجر تعرف بالرَبَد تغطيها طبقة من التراب. في فصل الشتاء  كان الوالد المرحوم وأيضا شقيقي حمد يقومان (بدحل) سطح البيت أي بتمرير حجر أملس أسطواني الشكل على السطح،  يتم التحكم به بقضيب معدني ذي التواء يعرف بالماعوس بغية رص الطبقة الترابية إلى بعضها كي لا يتسرب الماء من السطح إلى داخل البيت.  أحياناً كانت تحصل ثغرة هنا أو ثقب هناك فيتساقط المطر داخل البيت على شكل قطرات تدعى الدلف مما كان يقتضي مزيداً من معالجة السطح بالمدحلة أو المحدلة إن شئتم والماعوس.
كنا أربعة أشقاء وأربع شقيقات. كان حمد  الإبن الأكبر يليه في التسلسل كل من سمية ثم بهية ثم محمد ثم محمود ثم زهية ثم سلوى ثم آخر العنقود فوزي. وقد كان لي أيضا شقيقة تدعى زهية قضت في سن الطفولة المبكرة قبل ولادتي فلم أعرفها إنما قال لي أخي حمد بأنها كانت جميلة ورضية الطباع.
كون شقيقي حمد كان الأكبر بين إخوته وأخواته فقد احتل أيضاً مكاناً كبيراً في قلوبنا. فكلمته كانت نافذة وكانت محبتنا له ممزوجة أيضا بالإحترام وربما بالخوف نظراً لما كان يتمتع به من شخصية قوية تفرض حضوره فرضاً على من حوله. لم يكن يفعل ذلك رغبة منه في فرض احترامه على الآخرين، لكن قوة غير عادية كانت تنبعث من عينيه الخضراوين لا يخطؤها من ينظر إليهما. وأعترف أنني كنت أجد صعوبة في التحديق في عينيه نظراً لذلك التيار المغناطيسي القوي الصادر عنهما بشكل غير مألوف.
كان مديد القامة، ممشوق القوام، عريض المنكبين، وسيم التقاطيع، كث الحاجبين، ذا خطوط أفقية في الجبهة، طويل اليدين، عريض الكفين، مع انحناءة بسيطة في كتفه أثناء الجلوس والمشي. أما أنفه البارز فكان يوحي فعلاً بالأنفة والرجولة. أصابعه كانت طويلة بشكل ملفت للنظر ورائعة التنسيق. وكان عند الحديث يحرّك سبابته اليمنى وكأنه يتكلم من خلالها، كما أنه كان متين البـُنية ويتمتع بقبضة يد شبيهة بالكماشة.
كان مهيبا وفي نفس الوقت كان طيب المعشر، محباً ومتفانياً في خدمة أهله وأصدقائه. وبالرغم من تلك الشخصية القوية التي كان يتمتع بها، فقد كان يحاول دوماً إزالة أية موانع تفصل بيننا وبينه. فيلاعبنا ويداعبنا ويحملنا على كتفيه. بل أنه حملني وشقيقي محمد على كتفيه مرة واحدة. فطلب من محمد أن يجلس على كتفيه وجلست أنا على كتفي محمد فوقف بنا وتمشي في أرض الدار. ولا زلت أذكر كيف كان يحمل شقيقنا الصغير فوزي بين يديه ويبتسم له ويقبله بكل محبة وحنان.
وإذ أعود بذاكرتي إلى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي أجد أن إمكانياتنا كانت متواضعة ومع ذلك فلا أذكر أن شقيقي حمد تذمّر مرة واحدة من الظروف المعيشية آنذاك. لقد كان أكبر من كل تلك الظروف وكان يعوضنا عن الكماليات بحضوره الأنيس وشخصيته التي كنا متعلقين بها فينقلنا إلى مستوى آخر أكثر غنى وبهجة وتنوعا.
ولدى توفـّر بعض الماديات كان يفكر بنا قبل نفسه فيأخذنا معه إلى السويداء أو يذهب بنفسه ليجلب لنا الخيرات على بساطتها، وكنا ننتظر عودته عالمين أن السعد كان في قدومه. ولم يذهب مرة واحدة إلى السويداء ويعود فارغ اليدين، بل كان يجلب إلى إخوته وأخواته ما تيسر له حتى ولو كيلو من الجزر أو العجوة أو بعض البزر والفستق أي الفول السوداني الذي كنا نحبه كثيراً.
كما أذكر أنه كان يأخذني مع شقيقي محمد وأبن العم المرحوم مرسل وشقيقه هندي إلى السويداء ليشتري لنا ثياباً من عند صديق له اسمه عزت سراي الدين. وكان يشتري لنا أيضا قطع البرازق المصنوعة من السمسم والسكر ومعها البوظة فنعود إلى الرحى سالمين غانمين بصحبته السعيدة.
التحق شقيقي حمد بخدمة العلم في العام 1956 وقد ترك غيابه المفاجئ عن البيت فراغا محسوساً. وبعد الخلود إلى النوم كنت أمضي وقتاً من الليل أفكر به.. أتصوره حليق الرأس وأبكي بكاءً حاراً يستنفد قواي فأغفو على دموعي.
ولا زلت أذكر عندما عاد إلى البيت في (مأذونية) للمرة الأولى بعد ذهابه للجيش. فقد كنا سهرانين ذات مساء وفجأة سمعنا قرعاُ قوياً على الباب المصنوع من الصفيح، فقال الشقيق محمد "هذا أخي حمد". فتحنا الباب وإذا به بقامته المديدة يحمل الكثير من الهدايا بحيث لم يتمكن من قرع الباب بيده فقرعه بحذائه ولذلك جاء الصوت قوياً.
التففنا حوله ولم تعد الأرض تسعنا من الفرح الذي أحسسنا به لحضوره السعيد ووجوده بيننا، وقد تحوّل بيتنا الصغير في نظرنا إلى أكبر من قصر بفعل حضوره الكبير ووهجه المحسوس. ربما قد لا يستطيع البعض استيعاب كل هذه الزخم العاطفي، إنما كانت تلك المشاعر حقيقة أكيدة عشناها بكل أحاسيسنا وقلوبنا.
وبما أنه حضر في المساء فكانت فرصة سانحة بالنسبة لنا، إذ أمضينا ساعات السهرة التي امتدت طويلة معه وهو يحدثنا عن حياته الجديدة في الجيش ويقص علينا ما حصل له وكلنا شوق لسماع كل كلمة ينطق بها لأننا كنا متلهفين لرؤيته ولسماع أخباره.
وبعد تلك السهرة الطويلة كنا ننام نوماً هانئاً، مهنئين أنفسنا على وجود شقيقنا حمد معنا. وكان للإستيقاظ صباحا نكهة خاصة إذ كنا نجدد فرحنا به ونستمع للمزيد من أحاديثه الشيقة. وما أن يعرف الجيران والأقرباء بحضوره حتى يتوافدوا للسلام عليه. وكان الوالد المرحوم منهمكا في عمل القهوة والوالدة المرحومة في تحضير الطعام. وكنا نحن الأخوة والأخوات نعيش في جو من الفرح بتلك المناسبة السعيدة.
كان شقيقنا حمد نجم بيتنا الساطع وكنا نفتخر به ونحلف بحياته عندما كنا نضطر للبر بقسمنا أو تأكيد صدقنا.
وعند قرب انتهاء الفرصة الممنوحة له (المأذونية) كنا نحس بأنه سيفارقنا من جديد فتنتابنا مشاعر الحزن لا سيما عندما كنا نودعه وندعو له بالتوفيق وتسهيل الأمور.
على هذا النحو أمضى خدمة العلم. وفي كل مرة كان يأتي للبيت كنا نشعر بذلك الحضور المميّز فكان يملأ البيت بل القرية أيضا. وكان موضع احترام الآخرين لأنه كان يحترم نفسه. أما وزنه الإجتماعي والمعنوي فكان من العيار الثقيل دون مبالغة. فهو بالرغم من احترامه لكبار السن لكنه لم يكن يرهب أحداً منهم بل كان لا يعرف الخوف في المواقف الإجتماعية التي تبعث أحياناً على الرهبة. لقد كان قوي العارضة ثابت القلب، يدخل إلى أية مضافة فيتكلم رغم صغر سنه كما لو كان أحد الكبار. بل وكان يتكلم في المحافل بصوت جهوري يوحي بأن المتحدث شيخ مهيب وليس شاباً في مقتبل العمر.
ولقد كان كريما يحب التضحية في سبيل غيره. وأذكر على سبيل المثال أنه طوال خدمته في الجيش كان يبعث كل راتبه المتواضع إلى والدي عن طريق البريد المضمون وبحسب ما أذكر أن الرسائل كانت تأتي مختومة بالشمع الأحمر. وفيما بعد علمت أنه في اليوم التالي لإرساله راتبه كان يبدأ بالاستدانة من زملائه. لقد كان همه الوحيد مساعدتنا حتى في تلك الظروف المتواضعة. وهنا أثبت للأمانة أنه لم يمر شهر واحد أثناء فترة خدمته دون أن تأتي منه حوالة مالية. وكان أيضاً أبياً إلى أقصى حدود الإباء، مثلما كان محافظاً على خصوصيات البيت وأهله.
كما كان كريماً إلى أقصى حدود الكرم. هذا أذكره  دون مبالغة، إذ هناك من أهل الرحى ممن عايشوه ويؤكدون أن ما أذكره هنا هو الحقيقة. وهذه الميزة الاستثنائية التي كان يتحلى بها رافقته طوال حياته. وقد سمعت ممن عرفوه في المرحلة الأخيرة من حياته أنه كان يصرّ دائماً وأبداً على تضييفهم (القهوة والحلويات وغيره) على حسابه الخاص.
في العام 1958 أنهى أخي خدمته الإلزامية وعاد إلى الرحى حيث ابتدأت معرفتي الحقيقية به. وكانت الغرفة الغربية من بيتنا آنذاك بمثابة المضافة ذات الفرش على الطريقة العربية. كان الزوار يتوافدون بشكل شبه متواصل وكنا نرى وجوهاً جديدة من أصدقائه من السويداء ومن قرى أخرى من أمثال آمال البعيني ومصطفى الجغامي ونجيب الأطرش وغيرهم الكثير.
كما أذكر أنه قبل التحاقه بخدمة العلم كان صديقاً حميماً للأستاذ رضوان رضوان الذي درّس في الرحى في منتصف الخمسينيات، وكان غالباً ما يزور بيتنا تلبية لدعوة شقيقي حمد.
في العام 1959 - 1960 راح يحضّر لامتحانات الثانوية العامة – فرع أدبي وقد استأجر غرفة في السويداء مع المرحوم جبر الحلبي. وهنا تحضرني حادثة طريفة تتعلق بقوة ذاكرته حتى في لحظات عمره الأخيرة. إذ رغبت في امتحان مدى تذكـّره للماضي قبل ساعات من رحيله. قلت له: "في سنة 1959 من كان الشخص الذي استأجرت معه غرفة في السويداء؟" أجاب: "جبر الحلبي." قلت: "ومن كان صاحب البيت؟" قال:" شخص من آل حمادة (محمد حمادة)." قلت: "وكم كان الإيجار الشهري؟" قال: 8 ليرات!"
استمر مواظباً على الدراسة في السويداء إلى أن عنـّت له فكرة السفر فأوقف الدراسة وركز اهتمامه على المعاملة والاستعداد للسفر.
لم يكن شقيقي حمد مادياً منذ البداية ولم يكن كذلك أثناء الغربة. أما السبب من سفره فقد كان مساعدة والدي في حمل الأعباء المادية للأسرة. وقد حاول المرحوم والدي ثنيه عن السفر لكنه كان قد عقد العزم ومضى في التحضيرات. وآخر كلمات سمعتها منه ليلة سفره وهو يخاطب الوالد كانت على هذا النحو: "سأعصر الماء من الحجر..." وقد كانت بالفعل كلمات رمزية أثبتت الأيام صحتها فيما بعد.
لا يمكنني الكتابة عن تلك المرحلة من حياة أخي حمد دون أن أذكر أصدقاءه الذين كان بينهم وبينه مودة عميقة وشفوفية في التعامل والتفاعل.
لكني أبدأ بأقاربه آل مسعود سواء في الرحى أو خارجها. ففي الرحى كان أعمامي حمود وعباس وحسن وعبدو ويوسف وصياح يحبوه ويحترموه لجرأته وصراحته. ونظراً لثقافته العامة الواسعة فقد كانت تدور أحاديث مطولة بينه وبين عمنا عباس المعروف بسعة إطلاعه وتبحّره في العلوم الإجتماعية لا سيما التاريخ والجغرافية.
كما كانت تجمعه مودة خاصة بعمنا حسن الذي كان عندما يأتي للسلام على شقيقي حمد بعد غيبة يتمسك به ولا يتركه إلا بعد أن يشبعه ضماً وشماً وتقبيلا. وبعد سفر شقيقي حمد سمعت أن عمي حسن كان يتحسر على فراقه وأحياناً يقول:
 "ثلاثة رجال لو كانوا معي دوماً لعرفت كيف أتصرف في المواقف التي تقتضي الرجولة والمراجل."
هؤلاء الثلاثة هم الشقيق حمد والمرحوم عمار والطيب الذكر الشيخ أبو مؤيد سلمان العريضي.
أما عمي حمود فكان كلما ذهب أخي لزيارته يرحّب به بصوت عالٍ بعبارته المشهورة (أهلا.. بالسبع أهلا!) وفي أيامه الأخيرة في المستشفى سألني عن العم أبو مؤيد اسماعيل الذي كان يعزه وكذلك عن ابن العم مؤيد.
وقد كان الرباط قوياً بين أخي وأعمامي عبدو ويوسف وصياح والتواصل مستمرا بينهم. كما كانت هناك مودة قلبية بينه وبين أبناء العم لا سيما منهم كامل ونعيم ويوسف ومسعود ومرسل وسليمان. وكان يعتبر كل واحد من آل مسعود من خاصته وعلى أتم الإستعداد للوقوف بجانبه ومؤازرته، مثلما كان يختص صهرنا المرحوم غالب رستم بالمودة والإحترام.
كما كانت تربطه علاقة متميزة مع قريبنا أبو غسان ذيب مسعود وكذلك مع أبو خلدون نواف مسعود وأخيه فضل الله مسعود.
إضافة إلى ذلك فقد كان يتمتع بعلاقات طيبة مع باقي الأقرباء. وكانت تجمعه بخالنا أبو محمد منور رستم إلفة روحية متميزة. أما المودة التي قامت بينه وبين خالنا محمود وخالنا المرحوم زيد فقد كانت استثنائية بالرغم من اللقاءات القليلة التي حدثت بينهم نظراً لوجود الأخوال آنذاك في الأردن. ولا زلت أذكر (صحّارة) الراحة التي أرسلها خالنا زيد له وكان لنا فيها نصيب الأسد!
كان شقيقي حمد وفياً لأصدقائه الذين انتقل بعضهم إلى رحمته تعالى من أمثال مؤيد أبو راس وياسر أبو صعب وصابر أبو صعب ونواف الأعوج وفرحان أبو درهمين ونمر أبو فراج وحسن الأعوج. وما زال بعض أصدقائه على قيد الحياة أطال الله بأعمارهم وهم جميل عقل وسليمان كنعان وحسن جودية وحمود أبو درهمين وعلي أبو غازي وفارس كنعان وشهاب أبو صعب.
في نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات من القرن الماضي حصل تطور كبير وخطير في قرية الرحى هو تقسيم الأرض المشاع على أهالي الرحى. وقد كانت هناك فئتان مختلفتان في كيفية تقسبم الأرض. فبعض مُلاك الأراضي كانوا يريدون أن تكون القسمة على (البقر) وباقي سكان القرية أرادوها على (النفوس). والمقصود بالقسمة على البقر هو أن تلك الأرض يجب تقسيمها فقط بين الإقطاعيين من مُلاك الأراضي.
لو تمت القسمة على ذلك النحو لكان العدد الأكبر من سكان الرحى  قد حُرم من تلك الأرض.
في تلك الأثناء قام شقيقي حمد بتشكيل مجموعة من المطالبين بالقسمة على النفوس لا على البقر، ومع الأيام ازداد عدد المنضمين إليها. كان ذلك في عهد الوحدة بين سوريا ومصر. وحدثت مناوشات وأحيانا عركات محترمة بين الفريقين. وتدخلت سلطات الأمن أكثر من مرة لفض النزاع. وتم إرسال عريضة إلى جمال عبد الناصر بهذا الخصوص حررها شقيقي حمد بيده وحملت إمضاء الكثيرين من مؤيدي القسمة على النفوس. كما تم إرسال رسالة مماثلة إلى وزير الداخلية آنذاك عبد الحميد السراج.
وذات مرة وإثر مشادة عنيفة بين أخي حمد وبعض المطالبين بالقسمة على البقر. حضر إلى بيتنا أحد الرجال من محبي التصيد في الماء العكر وقال لأخي حمد "إن كنت رجلا فاثبت أمام الرجال الذين في طريقهم إليك." فما كان من أخي حمد إلا وقال له بنبرة حادة وبحضور عمي عباس: "أحمض ما عندك وعندهم اطبخوا! أنا في انتظارهم." كما قال عمي عباس أيضاً لذلك الرجل: "أتهددنا في بيتنا يا أبا فلان؟" وفعلاً خرج أخي حمد من البيت إلى أرض الدار بانتظار "الرجال" فلم يحضر أحد منهم لمواجهته وانتهت المسألة على خير.
واصل شقيقي حمد تحديه لفكرة القسمة على البقر حتى النهاية. حضر عشرات الإجتماعات بهذا الخصوص وتحدث بكل جرأة نيابة عن المطالبين بالقسمة على النفوس. وكان متفانيا في موقفه. وذات يوم وبحضور رئيس المخفر في مدرسة الرحى للبنين حدث تغيير في المواقف. إذ قال المرحوم حسن مؤيد أبو راس الذي كان بدوره صديقاً لشقيقي حمد:
"هؤلاء الراغبون في القسمة على النفوس هم إخوتنا وينبغي بالفعل تقسيمها على البشر لا على البقر. وعلى أية حال مستحيل قسمتها على البقر في وجه هذه المقاومة الهائلة. "
وقد أخبرني شقيقي حمد أن جميل صياح أبو راس كان حاضراً في ذلك الإجتماع الأخير فأيد الفكرة وحصل التراضي بين الفريقين وتمت قسمة الأرض أخيراً على النفوس وكانت سعادة شقيقي حمد لا توصف لأن جميع أهل الرحى حصلوا على حصتهم من الأرض البكر فراحوا يستصلحونها ويزرعونها عنباً وخضروات. وتلك كانت إحدى مآثر أخي حمد في قرية الرحى.
ولأن أخي حمد كان صريحا فقد كان يحب الصريحين ويحترمهم. وهناك حادثة مستملحة أخبرني بها تتلخص في تواجده ذات مرة في إحدى المضافات، وقد دارت القهوة على الحضور فاعتذر أخي حمد عن شربها فقال له الشيخ أبو نواف صياح أبو راس الذي كان حاضراً "هذه مقصودة يا حمد." أجابه حمد: "وماذا تعني بذلك؟" فكان جواب الشيخ أبو نواف: "أقول ما أعني وأعني ما أقول." فابتسم أخي حمد وأعجب بتلك الصراحة وقال له: "كرمالك منشرب قهوة" وشرب الفنجان.
كان شقيقي المرحوم يحب الطبيعة وقد قال لي المرحوم حسين علبة الذي رافقه مرة في نزهة إلى حرش السنديان في مطلع الربيع أنه سمعه يقول: "إن روحي تتفتح مع الربيع."
ولا زلت أذكر نزهة إلى الشعاف بصحبته وصحبة كل من الخال أبو غسان ذيب وأبو حكمت يوسف وكذلك شقيقي محمد وابن العم سليمان. فاستمتعنا بالطبيعة وقد قام شقيقي حمد بإعداد طبخة (المحمَّضة: بنادورة مع بيض) على نار هادئة تحت شجرة الزعرور التي في الجل الجنوبي من كرم الشعاف. ثم انتقلنا إلى الجل الشمالي وقص للشباب الصغار شعرهم فأشعرهم بمدى اهتمامه بهم.
قلت أنه لم يكن مادي الميول ولذلك لم يأبه بالكماليات. لقد كان ذا نفس غنية وأبية، مترفعاً عن الصغائر، صادق اللفظ سليم الطوية. ولأنه لم يرجُ معروفاً من إنسان فلم يلجأ إطلاقاً للتملق والمداجاة.
لا أحاول هنا إضفاء سمات غير عادية على أخي حمد، مع أنه كان استثنائيا في كثير من الحالات التي سأتطرق إلى بعضها فيما بعد. صحيح أنه اتخذ بعض قرارات في حياته لم تكن صائبة، ولكن من هو ذلك الشخص على هذه الأرض الذي لم يخطئ في اتخاذ قرار ما؟
كان مؤدباً صارماً لإخوته وتلك كانت طريقته. وكان يستعمل أساليب قاسية أحيانا في التعامل معنا لكن قلبه كان رقيقاً ونواياه سليمة، فلا يلبث أن يحاول استرضاءنا بشتى الطرق وكأنه كان يعتذر عما بدر منه من قسوة تجاهنا.
لا أقول أنه كان محبوباً من قبل الجميع. البعض كان يحبه دون تحفظ، والبعض كان يحترمه لهيبته وشخصيته القوية. وهناك أشخاص كانوا يتحسسون من وجوده بينهم ويخشون ما قد يصدر عنه من صراحة محرجة، وربما كان حضوره القوي عبئاً ثقيلا عليهم.
كما كان أيضاً مثاراً للجدل. فعلى سبيل المثال كان أحد أصدقاء والدي (المرحوم الشيخ أبو اسماعيل متعب أبو درهمين)  يتحدث بحماس عن حمد في إحدى المضافات ويخبر الحاضرين كيف أنه يرسل كل راتبه إلى والده وغير ذلك.. استاء أحد الحضور وقال له: "موجّه الله عليك ما عاد تحدثنا عنه حتى ولو كان نبياً."
في إحدى المرات كان أحد المدرّسين ممن خدم في الجيش مع أخي يتحدث عندنا في البيت أمام عمي عباس ويقول:
"كنت (أدفر) الباب برجلي وأدخل دون استئذان بالبيجاما على أكبر ضابط."
فقال له حمد: "يا رجل خدمنا معاً في الجيش وأعرفك تمام المعرفة، إذ كنت تنظف المهاجع."
شخص آخر تجلت معه ذات مرة أمام الأوانس وراح يسرد مغامراته في مدينة الملاهي، فسأله حمد:  "وهل ركبت في (الشقليبة)؟"
قال: "لا"
أجابه حمد: " لا بد أنك خفت، والخوف قطـّاع العصب."
فذهل صاحبنا المتبجح وراح يؤكد لحمد ويحلف له بأنه لم يخف وقد تغير مزاجه بشكل ملحوظ.    
كان أخي حمد وطنياً بامتياز ولعب دورا ناشطاً في كل الفعاليات التي كانت تقام في السويداء أو الرحى أو بعض القرى المجاورة، حيث كان يساعد على تنظيم المسيرات ويحمل المشاعل في الليل ويلقي الخطب الحماسية في مهرجانات كانت تقام لنصرة الأشقاء في البلدان العربية.  كما كان يؤلف أناشيد وطنية ويعطيها لشقيقي محمد كي يرددها في تلك المناسبات. وذات مرّة دوّن خطاباً في إحدى المناسبات وأعطاه لشقيقي محمد كي يلقيه. وإضافة إلى الخطاب أعطاه ملحقاً وقال له لا تطلع المدرّس على الملحق إنما اقرؤه مباشرة بعد الكلمة. وافق المدرّس على الكلمة ولم يكن يعرف ما بجعبة محمد بالإضافة إلى الكلمة. وفعلا ما أن انتهى محمد من إلقاء الكلمة حتى سحب الملحق من جيبه وراح يقرؤه بصوت جهوري وحماس كبير فكانت مفاجأة غير متوقعة للجميع. البعض صفق استحساناً والبعض الآخر ورب بوزه وامتعض غاية الإمتعاض. وقد حدثت مناقشات حادة فيما بعد بهذا الخصوص بين مادح وقادح، مستحسن ومستهجن. أما تعليق الشقيق حمد على كل ذلك فكان: "لا مانع عندي من نشره في الجريدة الرسمية."
لم يكن شقيقي حمد متديناً بالمعنى التقليدي للكلمة بل كان نظيفاً وعفيفاً، يعطي كل ذي حق حقه ولا تأخذه في الحق لومة لائم. لقد ذكرت بعض الأمثلة عن جرأته وهذا مثال آخر:
عندما كان لا يزال في خدمة العلم دعي أثناء وجوده إما في القطيفة أو الرحيّبة إلى بيت المختار على ما أذكر. وكان الحضور يستمعون إلى وقائع مهرجان تبث مباشرة على الهواء. كانت غرفة الاستقبال مكتظة بالحاضرين ومن جملتهم أحد المدرّسين.  وعندما قال المذيع: "والآن كلمة سلطان باشا الأطرش يلقيها فلان نيابة عنه" صدرت من المدرّس عبارة أو إشارة نابية، فما كان من شقيقي حمد إلاّ وأمسك بكرسي صغير وضرب به المدرّس أمام الجميع. وقال للمختار لا يمكننا أن نبقى أنا وهو تحت سقف واحد وعليك أن تختار. عندئذ طلب المختار من المدرّس المغادرة. تم تداول هذه الحادثة على نطاق واسع وقد حضر الشيخ الهجري إلى بيتنا في الرحى لزيارة الشقيق حمد الذي أذكر أنه وضع حطة بيضاء على رأسه وراح الشيخ الجليل يقرأ الميثاق. كما علمت مؤخراً أن القاضي مرسل نصر أيضا حضر للتعرف على شقيقي حمد بعد أن سمع بالحادثة من الشهود الذين كانوا حاضرين آنذاك.
كما سمعنا من كل الذين خدموا العلم وعرفوا شقيقي حمد أثناء تلك الفترة أنه كان غيوراً على أبناء الجبل كما لو كانوا أشقاءه. وقد حدثت صدامات بينه وبين المسؤولين في مراكز الخدمة أو التدريب بسبب إخوته أبناء الجبل الذين لم يرضَ إطلاقاً أن يُضاموا أو يقع عليهم حيف بوجوده. بعض هؤلاء الكرام ما زالوا على قيد الحياة وقد سمعنا قصصاً عنه من لسانهم مباشرة.
ذات مرة بينما كان نائماً في كرم الشعاف الذي يبعد بضعة كيلومترات عن الرحى سمع عند منتصف الليل أحدهم يصيح من عين نصير (النشامى وين راحوا). كان حمد آنذاك في السابعة عشرة من عمره، فجاوبه بأعلى صوته: (عندك يا ولد) وانطلق بمفرده بأقصى سرعة وسط حرش السنديان وصولاً إلى عين نصير وانتخى عند ذلك الشاب الذي كان بعض (الحرامية) قد سطوا على كرمه وكادوا يلحقون الأذى به.
مرة أخرى بينما كان يتفقد أرزاق أعمامي في المعقرات وجد أحد أصحاب الأراضي المجاورة يحرث أرضه وقد نقل الحد بضعة أمتار داخل شفعة أحد أعمامي. وكان حمد يعرف موضع الحد بالضبط لأنه كان أحد واضعيه. فقال للذي يحب التوسع على حساب الآخرين: "يا فلان.. من يحاول التعدي على حقوقنا ما زال في بطن أمه. أعد الحد إلى حيث كان." وقد أجبره بالفعل على إعادة حجارة الحد إلى مكانها الأصلي.
قلت أنه كان يحب الطبيعة وكان أيضاً يحب العمل في الكروم. وقد أخبرنا ابن العم أبو حكمت يوسف عن نشاط الشقيق حمد غير العادي عندما اشتغلا معا في الشعاف ذات مرة. أبو حكمت كان يحرث الأرض وشقيقي حمد ينكش حول الدوالي (الديارات) فيُحدث مساحات دائرية كبيرة بحيث لا يضطر أبو حكمت للاقتراب من الديارة. وكان أيضا يتحدى نفسه إلى أقصى الحدود عندما كان ينوي عمل شيء ما. وأذكر أنه ذات مرة رفع خيشة من التبن بمفرده من أرض الدار وصعد بها إلى السطح على السلم الخشبي لكي يتم إنزال التبن إلى مستودع التبن (التبّان)  من خلال فتحة السطح التي كنا ندعوها (الروزنة).
وكان يطيب له السهر في الكروم لساعة متأخرة في الليل. وذات ليلة سهرنا في كرم عمي عباس مع كل من أولاد العم كامل ونعيم ومسعود. وعند حوالي منتصف الليل قال لي هيا نعود إلى القرية. فنهضت وقد كرر أولاد العم دعوتهم له كي ننام تلك الليلة معهم في العريشة فأصر على العودة. وكانت ليلة مقمرة فسرنا في تلك السكينة الرائعة ووصلنا بعد حوالي الساعة من انطلاقنا.
وكان أميناً يشجعنا على الأمانة ويقول لنا: "إن حدث وأعاد لكم التاجر أكثر مما هو لكم فأعيدوا المبلغ الإضافي له."
عندما قرر السفر غادر الغرفة في السويداء ومع بداية السنة الدراسية استأجر الغرفة مجددا لشقيقي محمد ولابن الخالة برجس علبة ولي أنا. وقد أوصانا خيراً ببرجس لأنه كان يحبه.
وقد حضر في إحدى المرات لزيارتنا مع عمنا عباس ففرحنا بهما كثيراً وعملنا لهما غداء مؤلف من يخنة البطاطا وسلطة الخس التي كان ابن العم مسعود بارعا بصنعها. وقد حضر الغداء الصديق حمد فارس أبوراس الذي كان مستأجراً غرفة مجاورة لغرفتنا آنذاك. ولا زلت أذكر الحديث الودي الذي دار بين الحمدين وهما جالسين جنبا إلى جنب.
في شباط 1961 ودعنا شقيقي حمد متوجهاً إلى كولومبيا عن طريق بيروت، وكان صباحاً أليما على قلوبنا وعيوننا وحناجرنا، وقد تجسد قول جبران "لا تعرف المحبة عمقها إلا ساعة الفراق."
كان عمي عباس حاضراً عندنا ذلك الصباح مع العديد من الأقرباء فشجعه ودعا له بالخير وقد ترقرقت الدموع في العيون ثم علت أصوات الصغار والكبار بالبكاء وكأننا شعرنا بأنه يودع الرحى الوداع الأخير. وبالرغم من تماسك شقيقي حمد المعهود لكن قلبه ذاب حنيناً ذلك الصباح فلم أبصر به قوة بل رقة وعطفاً ودموعاً غزيرة غسلت وجناته الساخنة ووجناتنا كذلك.
شقيقي محمد فقد توازنه من هول الحدث فترنح وارتطم خده بلوح التوتياء الموضوع فوق خابية المنزل فجرح وراح الدم ينزف ويمتزج بالدمع.
كان السفر آنذاك ما زال قليلا نسبيا، وقد اجتمع الأصدقاء والجيران لوداعه والكل يجاهد نفسه لكبت عواطفه ولكن العزائم ترتخي في مثل تلك المواقف.
غادر شقيقي البيت وكان ذلك الوداع الأخير فعلا. وفي طريقه قابل بعض الأشخاص فودعهم. وكان جدعان الحلبي آخر شخص يودعه في الرحى. وقد علمنا فيما بعد أن السيد جدعان تأثر لدرجة أنه لم يذق الطعام طوال اليوم. هذا ما قالته لنا المرحومة والدته.
لا أعرف بالضبط كم أمضى شقيقي حمد من الوقت في دمشق. إنما أذكر صورة مشتركة له ولصديقه الحميم حمود أبو درهمين ولقريبنا المرحوم نواف مسعود أخذت لهم في دمشق.
من هناك سافر إلى بيروت وأمضى بعض الوقت عند صهرنا المرحوم غالب وشقيقتنا سمية التي أخبرتنا فيما بعد عن تأثره العميق لتركه إيانا لا سيما الصغار منا. وهذا دليل على أن قلبه بقي معنا بالرغم من فراقه الجسدي لنا. أما شقيقتي بهية التي كانت لها مكانة متميزة في قلبه فقد ودّعها قبل ذلك بعام واحد عند سفرها إلى فنزويلا. وقد كان يعتبرها بحسب معرفتي شقيقة وشقيقاً في نفس الوقت. كما كانت هناك علاقة فريدة بينه وبين شقيقي محمد إذ قال له ذات يوم عندما أتى لزيارتنا في المدرسة الإعدادية وكنا نتمشى على طريق الثعلة: "لو أقدر على مساعدتك بعيوني يا محمد لما توانيت."
كان عطفه علينا حسبما ذكرت بلا حدود وقد برهن على ذلك بالفعل وليس بالكلام فقط.
هناك ميزة كان يتمتع بها أخي وهي حبه واحترامه للبسطاء والمساكين. ومع أن الكثيرين كانوا أحياناً يستهزئون بهؤلاء الطيبين وينكتون عليهم، لكنه لم يفعل ذلك أبدا بل كان يشعرهم أنه حصتهم، فيسارع في السلام عليهم والترحيب والإحتفاء بهم إسوة بباقي الناس.
في ربيع 1961 وبينما كنا مصطفين خارج المدرسة في السويداء على أهبة الدخول إلى الصفوف وإذا بالمراقب ينادي: محمد عباس مسعود فتقدم منه أخي محمد وتسلم رسالة من شقيقنا حمد بعثها من جنوة في إيطاليا. وكان في داخلها صورة له مع بعض البطاقات الرائعة الألوان ورسالة مشتركة لنا الأثنين مع ذكريات حلوة وأشواق ومحبة أدخلت إلى نفسنا النشوة وشعرنا بقربه منا رغم بعد المسافات. وقد توالت رسائله أثناء سفره الطويل إلى الوالد في الرحى وإلى الأقرباء والأصدقاء وإلينا كذلك في المدرسة.
أخيراً وصل إلى كولومبيا وتواصلت رسائله التي كنا ننتظرها بفارغ الصبر. وهذا البعد العاطفي الذي وحّد قلوبنا كان بمثابة تجربة غير عادية عشناها بأحاسيسنا وأفكارنا وكل ذرة من كياننا. وكانت بمثابة الغذاء الروحي لنفوسنا لأننا وجدنا بها العزاء والتشجيع والمعنويات العالية. وكنا نستمد منه طاقات عن طريق رسائله وصوره وحتى مجرد مشاهدة خط يده كان يترك في نفوسنا أثراً عميقا.
في كولومبيا حدث تغيير في نمط حياته بحسب ما أخبرني فيما بعد. إذ شعر أن المظاهر لم تعد في الحسبان بالنسبة له وأن فصلا جديدا قد ابتدأ في حياته. ولأن وعيه لم يكن منحصراً في الماديات لم ينجح في الأعمال التجارية مع أنه كان ذكياً وبارعاً في الحساب. وبما أن الشيء بالشيء يذكر قال لي ذات يوم أن صديقه شهاب أبو صعب كان الأقدر في الحساب من بين كل تلاميذ الصف في الرحى. وذكر لي أن المفتش حضر ذات يوم إلى المدرسة فجأة وطرح مسألة طلب من التلاميذ حلها فلم يقدر على حلها سوى شهاب أبو صعب. بل قال لي لو كانت الإمكانات متاحة لشهاب لكان أصبح عالماً بارزاً في الرياضيات.
وبما أننا عدنا قليلاً إلى الرحى فلا بد أن أذكر أن أستاذاً اسمه عبد القادر أتى ليدرّس الصف الخامس الإبتدائي عندما كان شقيقي حمد في ذلك الصف. ولما خرج التلاميذ لاستقباله أراد ذلك الأستاذ عبد القادر أن (يسبعهم) فضربهم بدل أن يبادلهم التحية. عندها أخذ شقيقي حمد مجموعة من التلاميذ وانطلق بهم إلى السويداء لمقابلة مدير التربية والتعليم فقابله وأخبره بما حدث. وقد حضر المدير في اليوم التالي واجتمع على حدة مع عبد القادر الذي غيّر أسلوب معاملته مع التلاميذ جراء ذلك.
وقد علمنا أن هذا الأستاذ تهجم ذات مرة على المرحوم ياسر أبو صعب فذهب وأخبر والده الشيخ أبو سلامة الذي حضر على الفور وتهدد الأستاذ عبد القادر أمام كل التلاميذ وهكذا فليكن الآباء.
ليعذرني القارئ الكريم إن تنقلت بين مرحلة وأخرى ومن سياق إلى آخر دون ترابط زمني للأحداث. هذا أفعله بحسب توارد الأفكار والذكريات.
كان الشقيق حمد محباً للمغامرة الفريدة منذ سنيه المبكرة. فقد قال لي أنه أثناء وجوده في الرحى وفي عز الظهيرة كان يخرج من القرية بمفرده تحت حرارة الشمس القوية فيتنقل من مكان إلى مكان ويزور الخرب مثل خربة دير حنا ودير حبيب وخربة عواد وأماكن أخرى شرق القرية وغربها، ولم يكن ليصادف أحداً في ساعات الهاجرة تلك.
عندما كان في الخامسة عشرة من عمره ذهب هو وصديقه فارس كنعان إلى منطقة جبل الشيخ. الشقيق حمد ذهب لزيارة العم يوسف والسيد فارس لزيارة شقيقة أبو فوزي منصور وكلامهما كانا يعملان في الجيش.  قرر أخي حمد ذات يوم الذهاب إلى جبل الشيخ فسار لبضع ساعات حتى وصله (قد يكون السيد فارس ذهب معه ولكني غير متأكد من ذلك). هناك عثر على مغارة مظلمة. وبما أنه كان مغرماً بالمغامرات فقد دخل المغارة وهو يتلمس سبيله داخلها على العتمة. وسار فيها مسافة لا بأس بها وقد عثر داخل المغارة على سنكة جلبها معه إلى البيت وقد شاهدتها ولمستها بنفسي.
ذات مرة أثناء وجوده في الشام لم يبق معه أجرة الباص إلى السويداء. ولم يكن معه سوى قلم حبر ثمين. فتوجه إلى أحد المحلات وقال لصاحبه: "إنني بحاجة إلى ليرتين ومستعد أن أعطيك هذا القلم مقابلهما." تأثر صاحب المحل وناوله الليرتين وقال له: "احتفظ بالقلم لنفسك." لكن شقيقي حمد رفض ذلك بل ترك القلم على البسطة وودع التاجر شاكراً له صنيعه.
اشترى تذكرة السفر بليرة ونصف وعندما وصل إلى السويداء اشترى بالنصف ليرة الباقية جزراً لأهل البيت.
وكان أيضاً تقدمياً ساعد على ترسيخ بعض العادات العصرية في القرية. مثال على ذلك عمم المفهوم الاشتراكي من حيث الدخول أولا لمن هو على اليمين.
كما كان يحب الفن الأصيل ويطرب أكثر ما يطرب لسماع أغاني مطربه المفضل فريد الأطرش، لا سيما أغاني (سألني الليل وساعة بقرب الحبيب ووحداني وبساط الريح). ولهذا اشترى أول راديو في الرحى على التقسيط من فؤاد عبد الباقي. وكان الجيران وأصدقاء الوالد يحضرون لسماع الأخبار ويطربون للموسيقى. وكانت آنذاك كؤوس الشاي وفناجين القهوة تقدم للحضور الكرام في جو من الألفة والسلام والحيوية المنعشة.
كما كان يحب الشعر ويحفظ الكثير منه لا سيما شعر حافظ ابراهيم وخليل مطران. وكان يحب المطالعة وأذكر أنه بقي ساهراً ذات ليلة حتى منتصف الليل إلى أن أكمل قراءة إحدى الروايات التي كان عنوانها بحسب ما أذكر (أرض المآسي).
وكان على معرفة وثيقة بالتاريخ والحركات الفكرية على اختلافها منذ بداية فجر النهضة الأدبية في الشرق العربي. كان قوي الملاحظة وقوي الذاكرة مع قدرة ملحوظة على الاستيعاب.
لم يكن لديه تعلقات كبيرة في هذه الدنيا، وقد تلاشى معظمها مع مرور الأيام حتى كاد يزول نهائيا في أيامه الأخيرة. لقد كان صوفياً باطنياً بامتياز كما سأبيّن لاحقا.
كان يحترم ويوقر كبار السن من رفاق والدي لكنه لم يعتبر نفسه أصغر منهم، بل كان يرافقهم ويتبادل معهم الحديث كما لو كان واحداً منهم.
كان معجباً بذكاء المرحوم فضل الله حسن أبو راس ويعتبره مفكراً عميقاً، وسألني ذات يوم ما إذا كان قد ألف كتاباً. وكانت تجمعه صداقة عميقة بالمرحوم نواف الأعوج وقد حدثني عن تلك الصداقة بكثير من المودة لصديقه الكريم أبو رامز.
هناك حادثة طريفة حدثت له ألخصها كما يلي:
حضر أحد الضيوف إلى بيت الشيخ المرحوم أبو يحي ابراهيم أبو صعب الذي كان مشهوراً بكرمه الحاتمي فعمل له وليمة غداء وكان ممن حضروا والدي يرافقه شقيقي حمد. بعد الغداء أحس حمد برغبة في التمدد على (الطواطي) أمام النافذة حيث النسيم الرقيق.
كانت المضافة ملأى بالوجوه الكريمة. ولأن شقيقي حمد شعر بأنه في بيته فقد تمدد. لكن أحد الكبار انتقد وضع الاستلقاء ذلك وقال له منبهاً:
"أجلس يا حمد."
بقي حمد مستلقيا ولم يأبه للملاحظة فكرر ذلك الرجل العبارة بصيغة مختلفة قليلا قائلا:
"أقعد يا حمد."
فأجابه حمد وهو ما زال مستلقياً "شو منكـِّد عليك؟" أي "وما الذي يضيرك؟" دون أن يتزحزح من موضعه.
لم يكن ليعتدي على أحد؛ أما إن حاول أحدهم الإعتداء عليه أو على أحد من أقاربه أو أصدقائه فكان عندئذ يتحول في وجه ذلك الشخص إلى كتلة نارية تحرق الأخضر واليابس.
حدث ذات مرة عندما كان في الجيش أنه رأى عددا من الناس مجتمعين قرب سوق الحميدية في دمشق، فاقترب ليستطلع الأمر وإذ بشخص كبير الجثة (جهامي)  يتهدد ويتوعد رجلاً مسكيناً كان يصيح:
 "يا ناس ساعدوني.. يا جماعة خلصوني منه فهو يريد أن يقتلني."
فما كان من حمد إلا أن شق طريقه بين الناس واقترب من البلطجي الذي كان واقفاً أمام جدار أحد المحلات فأمسك بصدره ودفعه نحو الحائط بكل ما أوتي من عزم، قائلا له: "خلـّصنا منك." وكانت خبطة رهيبة صاح البلطجي على إثرها: "اشهدوا كسر ظهري."
في تلك اللحظة كان المسكين قد (شمّع الخيط) بعد أن زال الخطر. أما حمد فقد انسل من المكان واندس بين الجمهور تفادياً لمواجهة مع  الشرطة العسكرية لأنه كان في اللباس العسكري.
أخي حمد كان يتمتع بقدرة كبيرة على تحمل الألم، ولم يكن يعتمد على الأدوية والمسكنات. فعندما كان يصاب بوعكة صحية مهما كانت حادة كان يتحملها ولا يلقي بالا لها وكأنه لا يعترف بوجودها. بل لا أذكر أنه رقد في فراشه بفعل المرض إلا في أيامه الأخيرة. وقد علمنا من صديقه وصديقنا السيد أبو ناصر حمود أبو درهمين أن أخي حمد كان أحياناً يحلق ذقنه على الناشف أي بدون أن يبلها بالماء. وهذا دليل آخر على القوة النفسية التي كان يتمتع بها.
كما كان لا يحب المتكبرين المتعجرفين. فإن التقى بأحدهم على انفراد أو في إحدى المناسبات لم يكن ليوفـّره، بل كان يبرشه برشة محترمة تجعله يلعن الساعة التي التقى فيها بحمد.
في إحدى المناسبات كان أحدهم يشجع الشباب على السفر قائلا لهم" "روحوا سافروا. السفر أفضل لكم." فقال له حمد: "طبيعي أن تشجع الشباب على السفر حتى يخلو لك الجو وتصير تسرح وتمرح هنا على كيفك."
في الجيش كان يقوم بتجيير مأذونياته الخاصة أحياناً لصالح الآخرين كي يذهبوا لمشاهدة ذويهم. وكان مأثوراً عنه جمعه لشباب الجبل في جوفيات حماسية عامرة عارمة يأتي كبار الضباط لمشاهدتها حيث كانت الزغاريد تـُطلق (نوبة على نوبة!)
في عام 1958 حضر الرئيس جمال عبد الناصر إلى سورية وقام بجولة على إحدى الفرق العسكرية بصحبة شكري القوتلي. كان حمد موجوداً في تلك الفرقة التي طلب رئيسها من الأفراد عدم الالتفات إلى الخلف لمشاهدة الرئيسين. لكن حمد خالف الأمر والتفت إليهما وهما يسيران على قيد خطوات من المجموعة. طبعاً كان هناك عقاب لمخالفة الأمر إنما اعتبر نفسه هو الرابح لتحقيق أمنيته.
كما كان حمد على درجة عالية من تركيز الذهن. وحدث مرة أنه تم إعطاء الأمر بتنكيب السلاح بحسب ما أخبرني فنكب كل الجنود سلاحهم باستثنائه ولم يكن ذلك تحدياً بل تركيزاً للفكر في مكان ومجال آخر. وقد أكد لي أنه لم يسمع الأمر إطلاقاً. فما كان من أحد كبار الضباط هو خطار حمزة أن صاح بأعلى صوته: "نكب سلاحك يا عسكري."  فأفاق على الفور من ذهوله العميق وانطلاقه البعيد ليعود إلى أرض الواقع الصلبة.
وقد أخبرني أيضاً أنه في حياته العسكرية كان يختبر حالات من النشوة وصفها لي على النحو التالي:
"في بعض الأحيان وأثناء استراحتي النهارية كانت تكتسحني موجة من الغبطة تسري في عروقي وتغمر كل جزء من كياني، فأنتعش وتتجدد قواي. وكنت أذهب إلى المرآة لأرى مدى تأثير تلك الحالة فأجد وجهي مشرّباً بلون وردي بفعل تلك الحالة."
فيما بعد عرفنا أن تلك كانت حالة من حالات اليوغا المتقدمة. والتيارات التي كان يحس بها كانت تنطلق من الوعي السامي وتمر بالضفائر الفقرية ثم تتوزع إلى باقي أجزاء الجسم تماماً كما وصفها لي.
وكان أيضاً محباً للحيوانات، ولا أذكر أنني رأيته في حياتي يضرب حيواناً واحداً. وكان يفضل المشي على ركوب ظهر الدواب التي كان يعتبرها مفيدة لنقل الأحمال الضرورية.
شهيته للطعام كانت ممتازة ومميزة. لكنه لم يرتح أبداً لتناول الطعام بمفرده. وكم من مرة كان يطلب مني الذهاب لدعوة أحد أبناء الأعمام مثل كامل ونعيم ويوسف أو أحد الأعمام والأصدقاء لتناول الطعام معه. أما المستعطون فكانوا محظوظين به وبسخائه المعهود.
كان يحب الأغاني الشعبية بالرغم من عدم مشاركته في الأعراس، إذ لا أذكر أنه حضر عرساً واحداً وتلك هي الحقيقة. بل لدى عودتنا من العرس في الليل كنا نجده جالساً قرب الراديو يستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية التي كان يحبها كثيراً وربما لأحدى أغاني فريد الأطرش القديمة.
كان يطرب لمطلع أغنية شعبية هي "يا طير الطاير يا بو زلغوطة  بالله تسلم لي على الحبايب." وكم سمعته يرددها وهو يتبسم ويضحك أحياناً.
وهناك بيت عتابا ترك أثراً محبباً في نفسه قال لي أنه من نظم المرحوم أبو فوزي منصور كنعان وهو:
"كيف العمل يا ناس لذوق الغفا   وإقشع خياله بالمنام وعاتبه؟!"
كان أخي حمد جبلياً أصيلا. وعندما حضر عمنا أبو سعيد محمد مسعود من كندا إلى الرحى سنة 1958 ذهب بصحبتهما إلى القريا لزيارة سلطان باشا. وفي إحدى المناسبات حصلت مناوشات خطيرة في درعا قرب نبع الجهير وكان هو والمرحوم نمر أبو فراج في مقدمة المنافحين عن الباشا والشيوخ الجالسين في الخيمة الكبيرة بحسب ما ذكره الشيخ المرحوم أبو حسن مرعي أبو صعب. وتطورت المواجهة مما اقتضى تدخل رجال الأمن (الهجّانة) لفض الإشتباك. كما قال لي أنه كان في أحد المهرجات واحداً من الذين رفعوا الباشا على أكتافهم، مع أن الباشا قال له: "نزلني يا إبني" لكنه بدلا من ذلك حمله مع شخص آخر وطافا به في الشارع وسط الهتافات الحارة بحياة الباشا.
لم يؤمن بزعامة شخص في الجبل باستثناء سلطان باشا الأطرش. إذ كان يقول: الباشا على عيني وراسي. الزعامة تليق به. ما عدا ذلك لا أعترف بزعيم آخر.
وبعد هذه العودة الطويلة إلى الرحى التي قد نضطر لمعاودتها ثانية وثالثة بحسب توارد الأفكار، فلنواصل تتبع رحلة حمد.
مكث في بوغوتا – كولومبيا لحوالي السنة وكان يبعث لنا برسائله وضمنها حوالات مصرفية متواضعة. بعد ذلك قرر الانتقال إلى بنما. حيث عاش لسنتين أو ثلاث سنين تقريباً حيث تزوج هناك ليتمكن من الحصول على الإقامة الدائمة وقد أنجب بنتاً سماها على إسم شقيقتنا (سلوى) وولداً سماه على إسم والدنا المرحوم (عباس).
خلال تلك الفترة من إقامته في بنما حصلت حرب أهلية وانقطعت أخباره عنا خلال القسم الأكبر من وجوده في ذلك البلد. وقد أخبرني أنه عاش لفترة ما في كوخ مع أسرته في إحدى المزارع بغابات بنما. وكان يضطر أحياناً لقطع مسافات طويلة مشياً على الأقدام للذهاب إلى أقرب قرية لابتياع حاجيات الأسرة، وكانت له اختبارات مع قطط الغابة الكاسرة الشبيهة بالنمور.
الأوضاع الإقتصادية ساءت للغاية في بنما فاضطر لمغادرتها والذهاب إلى كندا على أمل أن يجد عملا وبعد ذلك يأتي بأسرته إلى حيث هو.
لم نسمع عنه شيئا طوال ثلاث سنوات حتى كدنا نقطع الأمل منه. وفي عام 1964 أرسل والدي رسالة إلى عمنا المرحوم أبو سعيد محمد مسعود في كندا يسأله إن كان يعلم شيئا عن حمد، فأتى الجواب بأن حمد موجود في كندا وقد أتى لزيارته برفقة شخص هو محمود القلعاني من قرية شقا على ما أعتقد. سررنا غاية السرور بذلك الخبر المفرح وكنت ممن دعا بالخير وطول العمر لعمنا محمد على تطمينه لنا عن أخينا حمد.
بعد ذلك بفترة قصيرة أتتنا رسالة من الشقيق وكانت بالنسبة لوالدي ولنا جميعاً بمثابة قميص يوسف لوالده يعقوب. الرسالة كانت مطولة يشرح لنا فيها أوضاعه وما جد له خلال تلك السنين وكيف كان يذكرنا في كل الأحوال والظروف إنما كانت العين بصيرة واليد قصيرة. كما أرسل في تلك الرسالة تحويلا سخياً للتعويض به عن الفترة الماضية التي انقطع بها عنا. وقد طمأننا بأن الدنيا بألف خير والتواصل سيستمر.
وبالفعل راحت رسائله تتوارد علينا بشكل متواصل بحيث كنا نستلم منه أحياناً رسالتين في الشهر ولم تخلُ رسالة واحدة من حوالة كان يخصص قسماً منها للأعمال الخيرية.
كما علمت فيما بعد أنه ظل على تواصل مع أسرته في بنما وكان يواصل إرسال تحويلاته لهم. وبما أنه لم يكن لديه الإقامة الدائمة فلم يتمكن من إحضارهم إلى كندا.
في عام 1966حاول أخذ شقيقي محمد لعنده ولكن لم يتسنَ ذلك بسبب عراقيل حصلت لمحمد في لبنان. وفي العام التالي طلب مني التحضير للسفر لعنده فلبيت الطلب.
في آذار 1968 سافرت إلى كندا في ظروف استثنائية لا مجال لذكرها في هذه السيرة. ولقد لعب ابن الخالة المرحوم حسين علبة دوراً بارزاً في تيسير سفري، فجزاه الله خيراً وأجزل له الثواب.
وصلت مطار مونتريال في 18 تموز وكنت أتوقع أن أجد شقيقي حمد في الإنتظار لأن مرافقي الذي رافقني إلى تشيكوسلوفاكيا  قال لي أنه أرسل برقية إلى أخي حمد يعلمه فيها بقدومي. لكنه لم يرسل تلك البرقية. تطلعت حولي مفتشاً عن أخي حمد فلم أجده، إنما كان معي رقم هاتفه. لم أعرف آنذاك المسافة التي تفصل مونتريال عن وندزر. سألت أحد رجال الأمن عن تلك المسافة فقال لي إنها حوالي الألف كيلومتر. طلبت الإتصال بأخي فرتب لي ذلك وكان غاية في اللطف. تحدثت إلى أخي حمد وسمعت صوته لأول مرة منذ افترقنا في عام 1961. قال لي أنه لم يتسلم أية برقية. قلت له إن كان بالإمكان أن يتحدث إلى ضابط الأمن في المطار ويرتب سفري إلى وندزر ففعل وحصلت على تذكرة وكانت الطائرة التالية على وشك الإقلاع إلى مدينة تورنتو بمقاطعة أونتاريو. في تورنتو غيرت الرحلة وكان قلبي أسرع من الطائرة لمقابلة إنسان حبيب على قلبي. عند هبوط الطائرة في المطار وقفت من بين كل الركاب ورحت أحدق من النوافذ بحثاً عن ذلك الإنسان الذي احتل مكاناً كبيراً في قلبي وفي حياتي. وما أن هبطتُ سلم الطائرة حتى أبصرته يلوح لي من النافذة.
لن أصف اللقاء فالكلمات تعوزني هنا. ذهبنا في سيارة جاره الهنغاري المستر ألكزاندر الذي حضر معه لاستقبالي ووصلنا البيت بعد حوالي النصف ساعة.
كان لقاء الأحبة فرحة العمر ولم تغمض لنا عين تلك الليلة. وكان أخي حمد قد أخذ فرصة يومين من العمل. فكنا نصل الليل بالنهار وتطلع علينا الشمس ونحن ما زلنا نتجاذب أطراف الحديث.
السكن كان عبارة عن غرفة في الطابق الثاني مع مطبخ. وكان المطبخ يحتوي أيضاً على أريكة. أعطاني أخي السرير في الغرفة واقتنع هو بالنوم على الأريكة في المطبخ.
كان يعمل آنذاك في معمل لتصنيع عجلات السيارات إسمه كالسي هايز  لم يفصله عن البيت سوى الشارع. فكنت أنتظر عودته بعد العمل بفارغ الصبر مثلما كان هو أيضا متشوقاً للعودة إلى البيت فور انتهاء العمل. نوبة عمله كانت في المساء، تبدأ في الرابعة عصراً وحتى منتصف الليل. وقبل رجوعه كنت أحضّر له أكلته المفضلة وهي شوربة العدس التي كان يتناولها بشهية استعداداً لسهرة حتى الصباح.
حوالي العام 1967 انقطعت عنه أخبار أسرته في بنما ولم يتمكن بعدها من التواصل معهم. فسلم أمره وأمرهم لله. وقد حاولتُ أكثر من مرة معرفة شيء عن ولديّ أخي لكن دون نتيجة. وحتى هذه اللحظة لا نعرف عنهم شيئا ولا يعرفون عنا شيئا.
بعد كتابة هذا المقطع حاولت مجددا البحث عنهما وبعثت برسالة إلى إحدى الجهات في بنما وسأكرر المحاولة لعل وعسى.
بعد سفري بقليل إلى كندا ساعدني أخي حمد في الحصول على الإقامة الدائمة فحصلت عليها خلال سبعة عشر يوماً، وقد فرح جداً بحصولي عليها فقبـّلني أثناء هبوطنا الدرج وقال لي (أنت سندي).
بعدها رتب دخولي إلى مدرسة (إلروز) لتعلم اللغة الإنكليزية. وفي نفس العام التحقت بمدرسة (أدولت ريتريننغ) وحصلت على الشهادة الثانوية الكندية في عام 1969 حيث التحقت بكلية سان كلير كوليج للآداب والفنون العامة على نفقة شقيقي حمد.
كان مهتماً جدا بتعليمي وحريصاً على توفير كل مستلزمات الراحة. وعندما كنت أجلب زملاء الدراسة معي للبيت كان يهش لهم ويرحب بهم ويحضّر لنا الشاي وكذلك الغداء أحيانا.
في خريف 1968 وبينما كنا جالسين في المطبخ قال لي:
 "ما رأيك يا محمود لو أصبحنا نباتيين؟"
 قلت له: "فكرة ممتازة."
وتلك كانت بداية مشوارنا النباتي الذي استمر حتى آخر حياته. شقيقي حمد كان يدخن واستمر في التدخين حتى قبل وفاته بسنة ونصف. سبب وفاته كان سرطان الرئة وقد أخبرني أحد المشرفين عليه أن التدخين كان سبباً رئيسياً لوفاته.
في خريف 1968 ذهبنا إلى مدينة كنغستن Kingston لزيارة بيت وضريح عمنا المرحوم حسين مسعود. لحسن الحظ كان شقيقي حمد ما زال محتفظاً بالعنوان. وصلنا المدينة وطلبنا من سائقة التاكسي كي تأخذنا إلى البيت. وعندما وصلنا كانت بالنسبة لنا فرحة وصدمة عاطفية قوية في نفس الوقت. فعمنا حسين كان قريباً من قلوبنا بالرغم من عدم معرفتنا له. كان البيت متواضعاً لا يختلف عن أي بيت آخر في الحي، وكان يقطنه رجل متقدم في السن. سأله شقيقي حمد هل هذا بيت جورج مسعود (الإسم الذي كان يُعرف به عمنا حسين في المدينة)؟ أجابه: نعم. وعندما عرف أننا أقرباؤه وقد أتينا لزيارة البيت رحب بنا ترحيباً حاراً وأخذنا في جولة في أركان البيت حيث وجدنا فيه بعض صور قديمة سمح لنا صاحب البيت بأخذها وأرسلنا بعضها للرحى.
كان قد مضى على وفاة عمنا حسين عشر سنوات، وكانت بعض القطرميزات مرصوفة على الرفوف والمخللات في داخلها. وقد أخبرنا صاحب البيت أن تلك كانت لعمنا حسين.
دخلنا حديقة البيت الصغيرة وكان هناك مسبحاً للطيور التي كان عمنا الفقيد يرش لها الحبوب ويسقيها ويستأنس بمرآها.
بقينا في البيت قرابة الساعتين ثم ودعنا ذلك الرجل الطيب وانطلقنا بسيارة أجرة إلى مقبرة المدينة حيث أضرحة عمنا المرحوم وزوجته جانيت وأخيه أمين.
وعندما اقتربنا من الأضرحة الثلاثة فارقنا الصبر فبكينا بكاء حاراً بحيث أن سائق التاكسى الذي رافقنا تأثر بشكل ملحوظ. عدّدنا عمنا الحبيب وجلسنا على ضريحه نذرف الدمع وقد خانتنا شجاعتنا ولم نقوَ على تمالك مشاعرنا. بقينا في المقبرة حوالي الساعة تقريباً والسائق ينتظرنا بكل أدب واحترام. وكنا قد أخذنا معنا إكليلا من الزهور البلاستيكية مع بطاقة حررناها ووضعناها على الضريح. بعد ذلك ذهب عمنا المرحوم أبو سعيد محمد لزيارة الضريح فوجد الإكليل والبطاقة وأرسل لنا رسالة يخبرنا فيها عن مدى تأثره لزيارتنا للضريح.
رجعنا إلى وندزر في نفس الليلة وقد تحققت أمنية عزيزة علينا وكأن تلك الزيارة كانت نيابة عن عموم الأقرباء الذين وصلتهم خيرات كثيرة من يد عمنا الطيب الذكر حسين مسعود.
في ذلك الخريف ذهبنا أيضا إلى شلالات نياغارا الرائعة فاستمتعنا بالمناظر الخلابة وكان رذاذ الماء المنعش يرطب وجوهنا. وقد أخذنا معنا بعض المأكولات فجلسنا تحت شجرة نتناول الغداء ومن ثم عدنا في نفس اليوم إلى مدينة وندزر.
في نفس العام قرأ شقيقي حمد في إحدى الجرائد العربية نبأ صدور كتاب الإنسان روح لا جسد لوكيل كلية الحقوق في عين شمس بالقاهرة الدكتور رؤوف عبيد. وبعد حضوري إلى وندزر بعث حمد برسالة مع تحويل مالي قدره خمسون دولاراً إلى الدكتور رؤوف يطلب فيه الكتاب. بعد بضعة أسابيع أتى الجواب من الدكتور الكريم إذ أرسل له الكتاب المؤلف آنذاك من مجلدين، وكانت تلك بداية لأحداث مستقبلية ذات شأن.
تواصلت الرسائل بين حمد والدكتور رؤوف فأصبحا صديقين حميمين وراح ذلك العالم الروحي يدعو الشقيق حمد بالصوفي الكبير.
الدكتور رؤوف كان عالماً في القانون والروحيات واللغة العربية والشعر. وقد حصل التعارف بالمراسلة بيني وبينه عن طريق أخي حمد. وعندما علم بأننا نرغب في الحصول على الكتب العربية نظراً لقلتها في تلك الأيام في كندا، راح يرسل إلينا الرزمة تلو الأخرى ولا أبالغ إن قلت أنه أرسل لنا بحدود الألف كتاب. وكان يصرّ على عدم إرسال ثمنها له لأنه أرادها خدمة إنسانية، إنما شقيقي حمد أصر على إرسال ثمن كل كتاب.
وبتشجيع من أخي حمد قمت بتأسيس فرع عربي في مكتبة سان كلير كوليج حيث كنت أدرس في مطلع السبعينيات.
أما ماذا حصل لباقي الكتب، فكان أخي يعطيها لمن يطلبها حتى لم يبقَ منها إلا القليل.
من بين تلك الكتب المرسلة من الدكتور رؤوف كان كتاب (فلسفة الهند في سيرة يوجي) تأليف برمهنسا يوجنندا ترجمة زكي عوض المحامي. (تلك كانت التهجئة المصرية لكلمتي يوغي ويوغانندا اللتين ستظهران من الآن فصاعداً بحرف الغين وليس الجيم المصرية.)
هذا الكتاب (فلسفة الهند في سيرة يوغي) فتح آفاقاً واسعة لنا فأحدث تغيرات كبيرة في حياة شقيقي حمد وفي حياتي أيضا.
حصلنا على الكتاب في صيف 1968 فبعثنا برسالة إلى جماعة معرفة الذات في كاليفورنيا نطلب فيها المزيد من تعاليم العظيم برمهنسا يوغانندا باللغة العربية. طلبنا ذلك لأن التباساً كان قد حصل في التنويه عن تعاليم معرفة الذات مما أوحى لنا آنذاك بأنها متوفرة باللغة العربية.
أتانا الرد بالإنكليزية وعلمنا أن التعاليم غير متوفرة بالعربي بل بإمكاننا الحصول عليها باللغة الإنكليزية. خلال تلك الفترة كان أخي حمد يقرأ الكتاب بتركيز تام واهتمام بالغ، وكان يخبرني عما يطالعه ويشجعني على قراءته، لكن الوقت لم يكن يسمح لي لدراستي المكثفة آنذاك.
بعد فترة قررت الشروع بقراءة ذلك الكتاب العظيم أو تلك السيرة العاطرة للمعلم برمهنسا وإذا به منجم من الكنوز الروحية. وبمجرد قراءة بضع صفحات منه تذكرت أن علاقة وطيدة كانت تربطني بمؤلفه منذ وعيت، إذ كنت أحس بحضوره القوي بل وكثيراً ما كنت أبصره أثناء طفولتي والأنوار تحيط به.  لن أتوسع في هذه المعلومة الشخصية لأن الكتابة هنا هي عن أخي حمد في المقام الأول.
في صيف ذلك العام حضر من لبنان إلى مونتريال شاب لعند عمنا محمد مسعود فأرسله لعندنا في وندزر كي يساعده شقيقي حمد في تثبيته في كندا. وفعلا قام شقيقي حمد بكل ما بوسعه بهذا الخصوص، بل وقام بتوكيل محامٍ ليمثله في دائرة الهجرة على نفقته الشخصية وكاد يعرّض نفسه للمساءلة أمام الدوائر الرسمية. أخيراً تم تسفير الشاب إلى لبنان عن طريق تورنتو بعد أن قضى معنا بضعة شهور وبعد أن استنفد أخي حمد كل السبل الممكنة لمساعدته في الحصول على الإقامة.
في خريف ذلك العام 1968 تقدمنا بطلب من جماعة معرفة الذات للحصول على تعاليم المعلم برمهنسا يوغانندا باللغة الإنكليزية. وكانت التعاليم – وما زالت – تـُرسل إلى طالبيها على أساس أسبوعي. بعد بضعة أسابيع ورد الدرس الأول وكانت فرحتنا به كبيرة. إنما كانت معرفتنا محدودة باللغة الإنكليزية آنذاك. ومنذ تلك اللحظة شعرت بمسؤولية كبيرة تجاه شقيقي حمد وتجاه نفسي حيال تلك التعاليم. فرحت أضاعف جهودي لإتقان الإنكليزية طمعاً بكنوز معرفة الذات المجسدة في الدروس. وخلال فترة قياسية – وبنعمة غامضة – تمكنت من اللغة بما فيه الكفاية لفهم محتوى التعاليم.
مبدئياً كنت أترجم كل درس يأتينا شفهيا لشقيقي حمد الذي كان فرحه لا يوصف بتلك التعاليم العظيمة. بعد ذلك شرعت بالترجمة الكتابية وعلى مدى سنين ترجمت له ما يقرب من الثلاثمائة درس ومحاضرة (ما زالت كلها في حوزتي) كانت بمثابة الأساس لحياته الروحية التي أخذت منحى جديداً منذ ذلك الوقت.
في عام 1971 تم تكريسنا في الكريا يوغا في كاليفورنيا على يد الأستاذ الكبير موكشانندا وهو تلميذ مباشر للمعلم برمهنسا.
شرعنا في السير معاً على الطريق الروحي، فكنا نمارس التمارين الرياضية سوية ونتأمل معاً على أساس منتظم.
 في تلك الأثناء قمنا بتغيير السكن عدة مرات، وفي كل مرة كنا ننتقل إلى بيت جديد كنا نخصص ركناً للتأمل في ذلك البيت.
كان أخي حمد ما زال يعمل في كالسي هايز وكنت أواصل دراستي العليا في سان كلير كوليج. وقد تعرفت على بعض أبناء العرب المقيمين في وندزر من معارف شقيقي حمد، منهم السادة أبو وحيد شريف سلامة والمرحوم كمال عبد الحق وشقيقه يوسف وفيما بعد شقيقهما محمد وأيضاً كمال سلامة وغيرهم. وتعرفت أيضا على ماجد حمزة وعائلته من قرية عِرى ولم يكن مقيماً آنذاك في وندزر. عرّفني أخي حمد أيضاً على السيد أبو نديم محمود الذي قال لنا أنه اجتمع ذات مرة أيام شبابه بجبران خليل جبران في مونتريال وأثنى على تواضع جبران الجم.
أخي حمد بالرغم من مظهره الجاد كان يحب الفرح والفكاهة. وقد روى لي ذات يوم القصة التالية:
ذات مرة أتى من لبنان شاب لعند عائلة كبيرة من أقربائه في وندزر فلم يساعده أقرباؤه بما فيه الكفاية لتثبيته في كندا فتم تسفيره مثلما حدث للشاب اللبناني الذي تقدم ذكره.
في تلك الأثناء مرض أبو فلان وكان أحد كبار الجالية فذهب أخي حمد لزيارته في المستشفى وقد تحول الحديث إلى ذلك الشاب المسكين الذي تم ترحيله. وقد راح فلان يلوم أقرباء ذلك الشاب ويقول:
 "لو قابلت شيخ تلك العائلة لن أستحي منه بل سأسمعه كلمات قاسية لن ينساها طول حياته لتهاونه في مساعدة قريبه. "
في تلك اللحظة حظر شيخ تلك العائلة ليزور فلان فقال شقيقي حمد بينه وبين نفسه:
 "لا حول ولا قوة إلا بالله. لو عرف الشيخ ما في انتظاره لما كان حضر."
اقترب الشيخ من السيد فلان المريض وقدّم له علبة شوكلاتة من النوع الفاخر فما كان من صاحبنا فلان إلا وأجهش بالبكاء وراح يقول للشيخ:
 "أنتم أهلي.. أنتم الذين ربيتموني.. أنا لولاكم لا قيمة لي."
وعندما غادر الشيخ قال فلان لحمد: "صدقني يا حمد أنني بالرغم مما قلته للشيخ كان قلبي مع الشاب مع أنني لم أتطرق لسيرته."
في عام 1969 تعرفت على زميل الدراسة راج كومار ماتر وعرفته على شقيقي حمد. راج كومار كان ذا ميول روحية فعرفنا على أهله وكنا نتبادل الزيارات ونتأمل معاً بشكل متواصل. كما تعرفت على بوب نوفاساد الذي انتسب لجماعة معرفة الذات وتعرف أيضا على أخي حمد. في عام 1971 قمنا بتشكيل مجموعة تأمل في وندزر. وفي العام التالي انضم إليها عدد غير قليل من مدينة ديترويت في ولاية ميشيغان الأمريكية. المريدون كانوا يحضرون مرتين في الإسبوع إلى مقر المجموعة في وندزر في البيت الذي كنا نسكنه.
كان شقيقي حمد في غاية السرور لرؤية هؤلاء المريدين وهم يتأملون وينشدون الأناشيد الروحية. وكنت أيضاً أساعده في تحضير الطعام للمجموعة. ولا زلت أذكر كيف كان يقدم الطعام بنفسه للحاضرين ويعود مرة ثانية لتقديم المزيد. وكان يتقن طبخة الرز بحليب التي كنا نستطيبها كثيراً من يده.
والآن إلى وقفة فكاهية:
في عام 1971 كان لي زميل في الدراسة إسمه إنعام الله وكان بحاجة إلى سكن فأخبرت أخي حمد بذلك فرحب به كي يأتي ويسكن معنا ريثما يدبّر أمر سكنه. في تلك الأثناء حضر صديقه الباكستاني أفضل لزيارته فمكث معه وطبعاً معنا عدة أسابيع. وذات مساء كان أخي حمد يتحدث إلى أفضل حديثاً روحياً ولم يكن أفضل مهتماً بالحديث فراح يغمض عينيه ويتثاءب.
غيّر حمد الحديث وقال لأفضل الذي كان ما زال متناوماً بامتياز:
"ليتك عرفتني يا أفضل أيام زمان وكيف كنت أكسر العظم وأمزق اللحم في الهوشات."
فجأة انتفض أفضل كما لو أن أحداً زعق في أذنه أو صب سطلاً من الماء البارد على وجهه. وقال لحمد: "كنت تكسر العظم وتمزق اللحم؟"
أجابه حمد: "نعم"
قال أفضل: "ولكن لن تفعل ذلك ثانية؟"
أجاب حمد: "آمل أن لا تضطرني الظروف."
بقي صديقنا أفضل ساهراً حتى ساعة متأخرة من الليل وقد طار النوم من عينيه لسماع تلك الكلمات التي استعملها أخي حمد ليعلمه درساً في حسن الإصغاء.
صديق باكستاني آخر إسمه رياض حضر لزيارة صديقه إنعام الله. كنت جالساً مع رياض وإنعام الله نتحدث فصدرت كلمة نابية (تشقيعة) من رياض سمعها أخي حمد الذي كان في غرفة ثانية. فحضر كلمح البرق وأعطى رياض ذا البنية الجسدية القوية درساً في الأدب واحترام بيوت الآخرين وعدم التلفظ بالكلام القبيح (فانسبع) رياض أي أصيب بالذهول وراح يرجف ويحلف قائلا لحمد:
"والله العظيم يا أخي لم أقصد شيئا بما قلته. تلك كانت زلة لسان فأرجو أن تسامحني ولن تحدث مرة ثانية."
قبل الشقيق حمد اعتذاره وسقاه فنجان شاي لكنه لم يعاود الزيارة ثانية.
كان أخي حمد ملتزماً بتعاليم معرفة الذات وخدم تلك المؤسسة بالكثير من إمكاناته وظل حتى اللحظة الأخيرة من حياته يعتبر المعلم برمهنسا يوغانندا من أعظم العظماء الذين وفدوا إلى هذا الكوكب الأرضي من العوالم السببية causal worlds.
في عام 1974 تعرفت على المستر سينغ رئيس مراكز ساي بابا في أمريكا الشمالية، وكان آنذاك مقيماً في مدينة وندزر. وقد قمت بتعريف شقيقي حمد عليه. هذه الملحوظة أذكرها لتصحيح عبارة وردت في مقدمة كتاب (المذهب الروحاني) توحي بأن أخي حمد قام بتأسيس مراكز ساي بابا في أمريكا الشمالية. تلك العبارة لا صحة لها لأن أخي حمد لم يقم بتأسيس ولو مركز واحد لساي بابا في هذه البلاد، بل لم يحضر سوى اجتماعين فقط في بيت المستر سنغ وكنت بصحبته.
ذات يوم تلقيت دعوة من المستر سنغ فذهبت لزيارته مع الصديق ناريش مانكو. وطلب مني أن أتولى رئاسة فرع التأمل في مؤسسات ساي بابا بعد أن عرف عن نشاطاتي في هذا المجال. شكرته بكل مودة واحترام وقلت له:
" يا مستر سينغ، عندي طريق روحي ملتزم به هو طريق معرفة الذات، ومع ذلك أعدك أنه بمجرد أن يأتيني التأكيد الباطني بتسلم تلك المهمة  سأتصل بك على الفور."
وها قد مضى أكثر من ثلاثين عاماً على ذلك الحديث ولم يأتني التأكيد ولن يأتي.
كما تعرفت في تلك الأثناء عن الدكتور ماتور رئيس قسم الكيمياء في جامعة وندزر فأصبحنا صديقين حميمين وقد عرّفته على شقيقي حمد، فكان يأتي إلى بيتنا ويستغرق في التأمل العميق وأحياناً كان يدخل حالات عميقة من الوعي دون مجهود. بل بمجرد الجلوس في التأمل كان ينخطف تلقائياً فيهدأ تنفسه ويتكلم همساً على مدى ساعة من الزمن لكائنات ربما كانت منظورة لبصره الروحي.
كما تعرفنا على الدكتور مهيتا أستاذ الدراسات الشرقية وكذلك على الدكتور سركار أستاذ السنسكريتية وعميد الدراسات الشرقية في جامعة وندزر وغيرهم ممن كانوا يزوروننا للتأمل والاستزادة من تعاليم برمهنسا يوغانندا.
تلك كانت الفترة الذهبية بالنسبة للنشاطات التأملية لشقيقي حمد. فبالإضافة إلى تأملنا المشترك كان يصرف ساعات في التأمل بمفرده تستمر أحياناً حتى الفجر. وقد حصلت له تغيرات كثيرة فلم يعد يهتم كثيراً بطعامه ولباسه، ووجه اهتمامه شبه الكلي إلى التأمل واستكشاف مجاهل النفس الباطنية.
لم يهمل عمله وحاول جهد استطاعته التوفيق بين العمل والتأمل فكان موفقا في ذلك. كما راحت حياته تأخذ منحى التقشف تدريجيا. فكان يقنع بالقليل من الثياب. والمرة الوحيدة التي رأيته فيها يلبس عقدة الرقبة كانت عندما استقبلني في مطار وندزر في صيف 1968.
كان عنده زوج واحد من الأحذية ليس أكثر في المرة الواحدة. كما كانت ثيابه في غاية البساطة ولكنها كانت نظيفة دائما، إذ كان يغسلها بيده وينشرها داخل البيت حتى تجف ويلبسها دون كيها.
حاولت تقديم بعض البذلات له والثياب الأنيقة فلبسها مرة واحدة ثم ردها لي شاكرا وواصل أسلوب لباسه الذي كان يرتاح له.
كان يتناول وجبة طعام واحدة في اليوم، إنما كان يحب شرب الشاي والقهوة وبقي كذلك حتى أيامه الأخيرة. كان يحب العنب من بين الفاكهة والبنادورة والخيار من بين الخضروات.
في عام 1973 اشترينا بيتاً في وندزر – بعناه بعد ذلك بعدة شهور لأسباب مادية – لكننا قمنا بزراعة حديقته الخلفية بالبنادورة. اشترينا أولا معولا ورفشاً ونقبنا الأرض وحضّرناها للغرس. وأذكر أنه قال لي ذات مرة: "هذه أول مرة نعمل بها سوية منذ اشتد ساعدك."
وبينما كنا ننكش الأرض كان أحد جيراننا يراقبنا فجاء من تلقاء ذاته وأخذ المعول من يد حمد دون استئذان قائلا له: "تلك هي الطريقة الصحيحة للنكش." وراح ينكش بهمة دون أن يدري مع من كان يتكلم. فما كان من حمد إلا وهتف المعول من يده وصاح به: "رُح اتقلـّع" ففركها الجار على الفور دون كلمة وداع ودون أن يقول له حمد "منعادة".
زرعنا حوالي المائة شتلة بنادورة فأتت الغلة وافرة وفاضت عن حاجتنا. وعلى جري عادته وسخائه المعهود طلب مني أخي حمد كي أوزع ما أمكنني على الرفاق والمعارف . وبالفعل كان زملائي يأتون إلى البيت ويقطفون ما طاب لهم من البنادورة الشهية التي كانت تحمل حباتها نفحات خيّرة  من نفس أخي حمد الطيبة.
ابتداءً من العام 1973 راح أخي حمد يعاني من حالات عصبية بفعل طول السهر وقلة النوم وربما قلة الأكل. تأثرت صحته وتأثرت حالته النفسية وحدثت أحداث وحصلت صعوبات بيني وبينه (كما يحدث ويحصل بين الإخوة في كل العائلات.) وبالرغم من كل ما كان يحدث ولا مجال هنا للتفصيل، بقينا على تواصل وتابعت ترجمة الدروس له حتى قرر مغادرة مدينة وندزر للمرة الأولى في العام 1974حيث ذهب إلى مقاطعة بريتش كولومبيا في كندا بصحبة صديقي وفيما بعد صديقه بوب نوفاساد.
بقي هناك بضعة شهور وبقي التواصل مستمرا بيني وبينه. بعدها ألمح لي بأنه يرغب في العودة إلى وندزر فقلت يا هلا ومرحبا. وأذكر أنني ذهبت لاستقباله مع أربعة أو خمسة من الأصدقاء في الليل في محطة القطار ووضعت في عنقه باقة من الورود كنت قد ضفرتها بنفسي خصيصا لاستقباله.
بقي معي أو بقينا معا لفترة من الزمن فعاودته الحالات العصبية مما اقتضى انتقاله إلى مكان آخر للسكن. بعدها قرر الذهاب إلى الهند لزيارة ساي بابا. بقي عند ساي بابا لفترة قصيرة وقد قام شقيقي محمد مع وفد من السويداء بزيارته هناك.
كان يكتب لي بصورة متواصلة وكنت أرسل له مصروفه على أساس منتظم.
خلال تلك الفترة اتصل بي أحد أصدقاء أخي حمد  من كندا وطلب مني إعطاءه عنوان شقيقي حمد في الهند لإعادة مبلغ من المال كان قد ساعده به شقيقي حمد قبل ذلك بسنين. أعطيته العنوان وحصل الاتصال بينهما وقد طلب أخي حمد منه المساعدة أكثر من مرة فلباها ذلك الصديق مشكوراً.  وقد اطلعت على رسائل لشقيقي حمد يشكر فيها صديقه الشهم نايف صعب ويعترف له بالجميل. فشكراً مجددا لذلك الصديق الكريم.
تنقل حمد في مناطق عديدة من الهند حتى وصل إلى جبال الهملايا. وأخبرني عن حالات عديدة وقعت له في الهملايا. فكان يتأمل لساعات طويلة في الكهوف المنعزلة ويلتقي أحياناً بمتوحدين تبين له فيما بعد أن معظمهم كانوا غير جادين في مسعاهم الروحي.
وقد زار الكثير من المعابد والصوامع والشخصيات الروحية المعروفة عالمياً، وقد علمت من الخال أبو نبيل محمود أن المرحوم كمال جنبلاط أتى في أحد كتبه على ذكر أحد المريدين من جبل العرب في الهند وقد قصد بذلك شقيقي حمد.
تجربته مع ساي بابا لم تكن بالعمق الكافي فتركه وانضم إلى جماعة رادها سوامي في بياص قرب أكرا. فكان يمكث معهم لستة أشهر ويعود إلى كندا لبضعة شهور ثم يعود مجددا إلى الهند.
قلت أنه كان صوفياً وباطنياً وهذا هو الواقع. فبحكم معرفتي الوثيقة له كان وعيه المادي شبه معدوم. في المرة الأولى لزيارته للهند وعندما أراد العودة إلى كندا طلب مني كي أرسل له قيمة تذكرة الطائرة فأرسلتها له. وبعد فترة كتب لي يقول لقد وزعت قسماً لا بأس به من المبلغ الذي أرسلته على الفقراء والمحتاجين مع أنني بأمس الحاجة إليه، فقمت بإرسال تحويل آخر له.
في عام 1977 كان لا يزال في الهند وقد ذهب صديقي ناريش مانكو إلى الهند فأرسلت له حقيبة من المستلزمات والفستق الذي كان يحبه كثيرا. وطلبت منه إن هو رغب في البقاء في الهند والتقاعد فبإمكانه أن يفعل ذلك، وتعهدت له بأنني سأتكفل بكل مصاريفه ما دام في الهند. لكن كان له رأياً آخر  ولم يتقبل المساعدة دائما مني. بل عندما أرسلت له تحويلا إلى بريتش كولومبيا ذات مرة أعاده لي مثلما أعاد تحويلا مماثلا إلى السيد نايف صعب.
عندما ذهبت إلى كندا عام 1968 سلمني كافة الشؤون المالية وبقيتْ في إدارتي ما دمنا معا. فكان لا يحتفظ لنفسه إلا بمصروفه الشخصي أما الباقي فيسلمه لي كي أتصرف به بحسب ما أراه مناسبا. وكان محباً لأعمال الخير ولم يترك مناسبة تفوته دون أن يقدّم ما استطاع من إمكانياته المتواضعة. وقد طلب من الدكتور رؤوف عبيد إرسال العشرات وربما المئات من كتبه إلى سورية لإحدى الجمعيات الخيرية كي تبيع تلك الكتب وتنتفع من ريعها.
وكان يطلب مني إرسال تبرعات إلى جمعية الرفق بالحيوان وجمعيات أخرى ومؤسسات خيرية تشرف مباشرة على مساعدة الفقراء والمحتاجين.
وخلال السنوات الخمس الأولى من قدومي إلى كندا كان يبعث حوالات مصرفية إلى الوالد على أساس منتظم وفي كل تحويل كان يخصص مبلغاً للمحتاجين.
كان أخي حمد قاسياً على نفسه فوق اللزوم. إذ كان ينام على فراش أرضي بسيط ساعدته على ترتبيه ولم تكن للكماليات أي اعتبار في حياته.
أما من حيث ضبط النفس فحدث عن البحر ولا حرج إذ تمكن بقوة الإرادة من ضبط الغريزة الجنسية بصورة تامة. ولم أسمعه يوماً يتحدث عن النساء حديثاً ذا مغزى. وكان يحترم النساء فلا يتلفظ بنكتة واحدة عنهن. وقد علمت أن نزعة ضبط النفس هذه بانت إرهاصاتها في سن مبكرة.
لا أتكلم هنا عن قديس كما تكلم آخرون فأنا أعرَف الناس به وأنا من يحق له الحديث عنه. بل وأشعر أنه مرتاح في عالمه الأثيري لهذا الحديث.
كان إنساناً عادياً في كثير من النواحي وغير عادي من نواح أخرى.
وخلال فترة حياتنا معاً لم يستغل أحدنا الآخر إطلاقاً. إذ كنت أتصرف بالشؤون المادية بكل مسؤولية واحترام لتعبه. وبالرغم من الذي حدث بيننا ظلت الثقة من هذه الناحية راسخة، وكان يقول نحن إخوان الصفا يا محمود.
كان قلبه طيباً للغاية بالرغم من بعض ثورات عنيفة تهب كالإعصار أحيانا. لكنه كان يعود إلى طبيعته الطيبة المحبة ويبدي أسفاً لما يبدر منه ونتصافى من جديد. ومن هذه الناحية بارك الله بزعل الأهل.
حاول البعض استغلال تلك الخلافات الأخوية لمصالح شخصية إنما في النهاية لا يصح غير الصحيح.
كان يصافحني في اليوم عدة مرات ومع كل مصافحة يتبسم ويقول forever أي إلى الأبد، فأجيبه and ever أي إلى أبد الآبدين. وبذلك كان يعني مهما حدث سنبقى قريبين من بعضنا. وقد اخترت هذه الكلمات لوضعها على شاهد الضريح شهادة على الحب الأخوي المؤبد.
كان يحس أحياناً بأنه خارج جسده. حتى أثناء حديثنا كان يقول لي: "أرى نفسي الآن سابحاً في عالم آخر." وبالفعل كنت أبصر تغيرا في عينيه وفي قسمات وجهه. لا أحاول هنا إقناع أحد بأن أخي حمد كان فوق العادة، بل يمكنني القول بأنه كان حالة فريدة من نوعها في مجال تجربتي. وبالنسبة لي كان ظاهرة عجيبة.
لست هنا في صدد الترويج لشقيقي حمد ووضعه في منزلة هو ليس فيها. على ما أعتقد أن القارئ الكريم يدرك بأنني أحاول جهد المستطاع الالتزام بالموضوعية وإعطاء شقيقي حمد حقه لا أكثر ولا أقل.
في فترة من حياته العملية كان يشتغل ست عشرة ساعة يوميا وأحياناً أكثر. بل وكان ينهي نوبة عمل في أحد المصانع ليلتحق بنوبة عمل أخرى في مصنع آخر. كانت الأجور متدنية آنذاك والعمل مرهق، ولم يكن يقوم بذلك المجهود الضخم لنفسه بل لغيره.
لم يشتر سيارة بل لم يقد سيارة في حياته. وعندما سأله أحدهم مستهجناً: "شو ما عندك سيارة" نظر حمد إلى حذائه وقال له: "هذه سيارتي".
كان كريماً معي إلى أقصى حدود الكرم. بل كان يقول لي: "تقلدني جميلاً عندما تأكل بشهية، فأنا أفرح عندما أراك تأكل."
وفي حين كان يريدني أن ألبس الثياب الأنيقة والجديدة كان يرفض شراء ثياب جديدة لنفسه.
كان كبيراً في ذاته. لم يقل لي مرة واحدة "هذا لي وهذا لك." بل كان كثيراً ما يردد من الكتب المقدسة عبارة "ما أجمل أن يسكن الإخوة معاً!"
أصيب في عموده الفقري في مصنع كالسي هايز لرفعه أحمالاً ثقيلة فأنهى العمل في ذلك المصنع في عام 1973. البرامج الحكومية الكندية كانت تخوله الحصول على مبالغ مالية جراء العجز المؤقت عن العمل. وبالفعل وصل الشيك الأول ثم الثاني وكان بإمكانه أن يحصل على تلك المدفوعات لفترة قد تصل إلى سنة كاملة. لكنه بعد الشيك الثاني ذهب إلى الجهات المختصة وطلب منهم وقف المدفوعات ومساعدته في الحصول على عمل مهما كان متواضعا، وهذا ما حدث.
بعد كالسي هايز عمل في غسل الصحون في مطعم كانوسا على شارع تيكامسي في مدينة وندزر. من بعدها عمل في مصنع آرادكو وقد التحقت به بعد ذلك وعملنا سوية لحوالي الثمانية شهور. بعدها عمل في مطعم باربيكيو كخبّاز، وقد أتقن صنع الخبز الذي كان غذاؤه المحبب.
بعد ذلك انتقل من وندزر ثانية وذهب إلى مدينة تورونتو ثم إلى مدينة أوتوا. في تلك الأثناء اتصل بي وقال لي أنه بحاجة إلى عمل، وكنت أعمل وقتها في مصنع كاندان حيث كان المستر سينغ المذكور آنفا نائباً لرئيس المصنع. تكلمت مع المستر سينغ وقلت له أن شقيقي حمد بحاجة إلى عمل فقال دعه يأتي ويتقدم بطلب وأنا أتكفل بالباقي. اتصلت بحمد وقلت له العمل متوفر إن أردت العودة فرجع وحصل على العمل. سكن معي لفترة ثم ساعدته على إيجاد شقة مناسبة قريبة مني. وكنا نذهب للعمل سوية ونعود معا ونسهر أحياناً عنده وأحيانا عندي ونشرب الشاي ونتجاذب أطراف الحديث ونستعيد الذكريات بحلوها ومرها.
في عام 1978 ترك العمل في كاندان لأنه وجده مجهدا وغادر مدينة وندزر. وقد علمت فيما بعد أنه ذهب إلى مدينة أدمنتون وقابل بعض الأصدقاء ممن ساعدوه في إيجاد سكن وفي مراجعة الطبيب جزاهم الله كل خير وأجرهم على الله.
في آذار من عام 1980 غادرت كندا إلى ولاية كاليفورنيا الأمريكية وبقيت هناك في أحد مراكز معرفة الذات لغاية أيلول من نفس العام. عدت إلى مدينة أوك بارك الأمريكية القريبة من الحدود الكندية. اتصلت بصديقنا السيد بواني شنكر  الذي كان وربما ما زال عنده مطعم هندي إسمه هيماليا دايننغ فأخبرني أن أخي حمد مقيم عنده في الطابق الثاني فوق المطعم وأنه متشوق لمشاهدتي. ذهبت إلى كندا والتقيت بشقيقي حمد وصرفناً وقتاً ممتعاً ليوم أو اثنين من بعدها عدت إلى الولايات. لم نجتمع ثانية على مدى ستة وعشرين عاما. فهو كان يكثر من السفر إلى الهند ويعود أحياناً إلى وندزر وأحياناً إلى مدن أخرى ففقدنا الاتصال ببعضنا وضاعت سنوات ثمينة من عمرنا وتلك هي الحياة ومفارقاتها. هذا الفراق الطويل رغم المسافة القصيرة لا أظن أنه حصل لأخوين آخرين في العالم.
هناك ظروف قاهرة حالت دون التواصل وذوو القلوب الطيبة يقدرون الموقف ويتعاطفون. أما المنظرون فقد تكون لهم نظريات ومعايير أخرى لا نجد أنفسنا ميالين إلى الأخذ بها والعمل بموجبها.
الرباط الذي جمعني بشقيقي حمد كان ولم يزل قوياً منذ مراحل الطفولة المبكرة. كان يريد الخير لي بطريقته الخاصة التي أحياناً كان يعرب عنها بكيفية لا أرتاح لها. إنما نواياه كانت صافية ودوافعه نقية. وكان يريد لنا الأفضل ويبدّي مصالحنا على مصالحه. وأستطيع أن أجزم بأن أخي حمد لم يعرف الأنانية إطلاقاً.
كان شهماً غيورا لم يتقاعس مرة واحدة عن تقديم المساعدة للآخرين. ولم يكن ليخفي مشاعره مهما كانت. فمن هذه الناحية كان سهلاً قراءته لأن قلبه كان قلب طفل صغير. أبلى البلاء الحسن في حياته وكانت لديه طموحات روحية كبيرة نقلته من جبل حوران إلى أمريكا الجنوبية فالوسطى فالشمالية فالهند حيث جبال الهملايا الشامخة بعلوها والباذخة بأسراها العميقة.
لم يكن يوماً ما عبئاً على أحد. وبالرغم من الظروف القاهرة التي مر بها كان يتدبر أموره حسب إمكاناته المتواضعة دون أن يثقل على أحد.
عندما كان في كندا كان يحتم عليه القيام بتجهيز أوراق الضرائب مرة في السنة. وكان يكلف بها زوجة صديق له كي تقوم بعملها نيابة عنه.  وكانت الحكومة الفيدرالية تعيد إليه كل سنة بعض المبالغ. ذات مرة حضر صديقه ومعه شيك بقيمة أربعمائة دولار وهو المبلغ المعاد لحمد من الحكومة وقال له: "يا حمد أنا بحاجة إلى هذا المبلغ." وبإمكاني القول أنه لم يكن بحاجة للمبلغ بل طمع به. فما كان من أخي حمد إلا وقال له: "تكرم عينك" فوقـّع له على الشيك، ولم يرَ ذلك المبلغ ثانية. ولكن للأمانة أقول أن ذات مرة عندما أصيب ذلك الصديق بالعمى اتصل بي وقال لي هناك غرض أريد أن أعيده لأخيك حمد. بلـّغت أخي الرسالة فقال لي: "الله يسامحه."
كان يحب المشي، بل وفي فترة من حياته كان يمشي لثلاث أو أربع ساعات يوميا. وكنا نذهب معاً إلى منتزه جاكسون في وندزر المشهور بوروده البديعة وزهوره ورياحينه وأغراسه التي من كل لون ونوع. فنتمشى هناك ونتحدث. وذات مرة قال لي هيا نتسابق. وفعلا انطلقنا في سباق وكان هو الغالب وقد دهشت لأنني لم أكن أعرف آنذاك أنه كان بذلك النشاط والحيوية.
كان يلتقي أحياناً ببعض الفقراء المساكين المتسكعين في ذلك المنتزه فيأخذ لهم الطعام والمرطبات. وذات مرة التقى بأحد المشردين فأتى به إلى البيت وأطعمه وطيب خاطره.
معظم أحاديثنا كانت تدور حول الروحيات في المقام الأول. لم يكن مهووساً في الروحيات بل كان يعبّر عن حالة طبيعية لا بد أنه كان مؤهلا لها منذ البداية. فالروحيات بالنسبة له لم تكن هواية بقدر ما كانت تجربة عاشها في كل ذرة من كيانه.
لقد عانى كثيراً في حياته وكان يعتبر ذلك تكفيراً عن أعمال سابقة. بل ومرّ بمراحل من الألم النفسي والجسدي فوق احتمال الشخص العادي. مع ذلك لم يفقد إيمانه بل كثيراً ما كان يقول: "الشكوى لغير الله مذلة."
تلك الحالات التي مر بها انعكست أيضا على علاقتنا وحدثت تصدعات بسببها لكن جذور المحبة بقيت سليمة وتبرهن ذلك في الأيام الأخيرة من حياته عندما قال لي: "المحبة لا تموت يا محمود."
وبالرغم من كل الذي حدث وبالرغم من كل ما قيل وكـُتب فلو قيل لي أنه بُعث حياً في القطب الشمالي ولا سبيل للوصول إليه إلا مشياً على الأقدام لما توانيت لحظة من التوجه إليه لأكون بقربه من جديد. ولا بد أن الله سيحقق لنا هذا الأمل في العالم الآخر حيث الأرواح تعرف بعضها والحب يبقى حيا لا يموت.
شقيقي حمد كان باطنيا وكنت أحس بذلك الجوهر في داخله.. أشعر به من خلال لمسة يده وانعطافات صوته ونظراته وإشارات يده.
البعض يقولون أنه لم يصنع شيئا في هذه الحياة. وقد نعذرهم لأنهم يرون الحياة من منظار مادي بحت. والبعض يغالون ويقولون أنه صنع مجداً روحياً فائقا.. إلى ما هنالك. وقد نتفهم غيرتهم وحماسهم. إنما شقيقي حمد بحسب معرفتي المتواضعة كان أحيانا أكبر من ظروف الحياة وكان أكبر من الاهتمامات التقليدية التي تستحوذ على عقول وقلوب معظم الناس.
ليعذرني القارئ الكريم إن أنا عبّرت عن مشاعري هنا نحو أخي حمد الذي ارتبطت حياتي بحياته وما زال الرباط الروحي قويا فيما بيننا.
كان غني النفس وأكبر من كل ثراء مادي. فهو لم يتملق إنساناً ولم يأكل حق الغير ولم يأخذ دون عطاء في حين كان يعطي دون أخذ.
كان صادق اللفظ، وإن حدثت هفوة هنا أوهناك في فترة ما من حياته فمن منا لا يمر بمثل تلك الهفوات؟ العصمة لله والكمال له وحده.
كان بإمكانه أن يشتري سيارة ليريح رجليه من المشي لكنه اختار السير على الأقدام والتواصل الدائم مع الأرض.
لا أذكر أنني رأيته يركب الباص مرة واحدة في مدينة وندزر، بل كان يقطع مسافات طويلة مشياً على الأقدام. وأحيانا كنا نسير ونحمل صندوقاً من المواد الغذائية التي كنا نشتريها من مخزن A&P هو يحمله من جانب وأنا من الجانب الآخر. وبين الحين والآخر كنا نطلب سيارة أجرة، لكن عموماً كنا نمشي كثيراً وتلك كانت أيضاً رياضة بدنية مفيدة للغاية.
كان يحمل محبة خاصة لوالدينا المرحومين ويذكرهما بالخير ويدعو لهما بالأجر والثواب. وكان يحدثني عن ظروف اقتصادية صعبة عايشها مع الوالدين ويتذكر صبرهما والجهود الكبيرة التي بذلها الوالد لكسب لقمة العيش، وكذلك ما كانت تقوم به الوالدة من إدارة دقيقة ومتوازنة لشؤون الأسرة وكيف كانت تشجعه وتقول له: "إن شاء الله بتصيروا يا إبني".
وبالرغم من تلك الظروف كان يؤمن بوجود بركة في ذلك البيت المتواضع ويخبرني كيف كان الناس يجدون راحة وسكينة فيه فيتوافدون إليه في سيل شبه متواصل.
(انتهيت من كتابة هذا المقطع الساعة الواحدة صباحاً من ليلة أمس. وعندما أويت للفراش شعرت بكل وضوح بحضور روح شقيقي حمد وأحسست بحبه الكبير تماماً كما لو كنا جالسين جنباً إلى جنب مع فارق بسيط هو  عدم رؤيتي لجسمه  هذه المرة. وفي هذا الصباح استيقظت باكراً وذهبت في مشواري الصباحي المعتاد فأحسست مجدداً بحبه كموج البحر وقد ترجم ذلك الشعور القوي ذاته إلى دموع عفوية لم أتمكن من السيطرة عليها.)
لا أذكر أن أخي حمد ذهب إلى السينما إلا مرة واحدة فقط في عام 1976 حيث ذهبنا معاً لمشاهدة فيلم يسوع المسيح سوبر ستار الذي فكـّرنا أنه وثيقة تاريخية عن حياة السيد المسيح. ولكن بدلا من ذلك وجدناه مهزلة هدفها التسلية ليس أكثر. وأذكر أن أحد الممثلين السود كان يناجي المسيح بأغنية فسألني حمد عما كان يقوله ذلك الممثل. قلت له: "إنه يناجي المسيح ويقول له صلبوك؟ يا ويلتاه!"
قال: "هذا هو كلامه الظاهري وعلى أية حال فمظهره يوحي بأنه أحد الذين دقوا المسامير في يديه." نظرنا في عيون بعضنا فلم نتمالك نفسينا من الضحك ثم نهضنا وغادرنا المكان غير آسفين. بخلاف ذلك لم يحضر فيلماً واحداً.
ذات مرة أتى إلينا أحد الجيران وهو شخص يوناني إسمه كريس وطلب من أخي حمد كي يكفله لدى أحد المصارف في قرض مقداره ثلاثة آلاف دولار. لبّى حمد طلبه فذهب معه إلى المصرف ووقع على الأوراق كضامن له في حال تخلفه عن الدفع. لكن ذلك الشخص توقف عن الدفع بعد شهرين من أخذ القرض، فاتصلت مديرة البنك مع أخي حمد تخبره بالأمر. فطمأنها أن المدفوعات ستتواصل بحال أو بآخر. وكان كريس قد انتقل إلى منطقة أخرى. تباحثنا في الأمر فقال لي: "صحيح إمكاناتنا متواضعة، ولكن أعطيت كلمتي للبنك ولا أستطيع أن أخل بوعدي. فيجب أن نواصل المدفوعات نيابة عنه إلى أن يفرجها الله. وبالفعل كنا نذهب شهرياً إلى ذلك المصرف مع أننا لا نتعامل معه، ونقدّم دفعة عن كل شهر نيابة عن كريس. استمرينا على ذلك المنوال لمدة ثلاثة أو أربعة شهور إلى أن شعر الموظفون في البنك أنه ليس من العدل مواصلتنا لتلك المدفوعات نيابة عن ذلك الشخص، فأكدوا لنا أن أخي حمد في حل من ذلك التعهد وأن هناك قوانين تجيز ذلك فتوقفنا عندئذ عن الدفع.
فعل ذلك احتراماً لكلمته ووفاء بتعهده. بعد ذلك عرفنا مكان وجود كريس، فقال لي حمد: "تعال نذهب لزيارته (طمة غمة)." فذهبنا وباغتناه بالزيارة. تفاجأ وتلعثم وراح يرتجف ويدعونا لشرب الشاي. فقال له أخي بلهجة صارمة: "ما أتينا لنشرب الشاي عندك يا كريس بل لنعاتبك على تصرفك الخسيس معنا ومع البنك." ثم غادرنا المكان ولسان حال كريس يقول: "يا أرض شقي وابلعيني."
لم يعتذر أخي حمد عن مساعدة إطلاقاً. وكان بعض أعضاء الجمعيات العربية يأتون إلينا ليعرضوا علينا مشاريعهم ويطلبوا المساعدة فكان يقول لي: "بحبح الشيك يا محمود."
ذات مرة كان أحد الشباب العرب يتحدث في سهرة ويقول مفتخراً: "بينما كنت سائراً في الشارع منذ يومين نظرت من نافذة إحدى السيارات فرأيت بعض الدولارات متناثرة على المقعد الخلفي ولحسن الحظ كان زجاج النافذة منخفضاً بما فيه الكفاية.  فمددت يدي و(ندفت) الدولارات."
قال له أخي: "مددت يدك وسرقت الدولارات. كيف طاوعك ضميرك على مد يدك إلى مال ليس لك؟" فانبخع الشاب ولم يحر جواباً.
مرة أخرى كنا في ضيافة ريمون عبيد زميل شقيقي حمد في العمل. كان من بين الحضور شاب غير مؤدب قال نكتة غير مهذبة عن عبد الناصر. فما كان من حمد إلا وانتهره أمام الحضور وطلب منه احترام نفسه واحترام الحاضرين. فبردت همة الشاب على الفور وأراد أن يغير المضارب فاتصل بصديق له وراح يتكلم بالألماني للتغطية على تلك الرجّة العنيفة التي لم تكن في وارد حسابه.
شقيقي حمد كان على معرفة وثيقة بالكتب السماوية وكان يحفظ الكثير من آياتها وفصولها. ذات مرة حضر لعندنا شخص أسود وراح يسرد ما شاء خياله لا مشاء الله. فقال من جملة ما قاله: "عرضت الحكومة عليّ كي أتسلـّم مديرية التربية والتعليم فلم أوافق. وباستطاعتي قراءة الكتاب المقدس من الغلاف حتى الغلاف (ألف وستمائة صفحة) في غضون ست ساعات."
هنا تطلعت بأخي حمد وتطلع بي. وعندما غادر ذلك القارئ السريع المترفع عن المناصب الرفيعة، قلت له: "ما رأيك بصاحبنا؟" فضحك وضحكت معه وقال: "حط بالخرج يا زلمي! فلو أراد أن يتصفح الكتاب المقدس تصفحاً فقط،  لا قراءة، لاستغرق ذلك منه ست ساعات."
لم يكن يهتم بمديح الآخرين وثنائهم، فكان كلما أبدى أحدهم استحسانه أو إعجابه يقول: "إنكم تلبّسوني بذلك ثوباً فضفاضاً ليس على مقاسي."
وكان شعاره في الحياة أحد مأثورات المعلم برمهنسا يوغانندا، وهو: "لا المديح يرفع من شأني ولا يخفض من مقامي الذم."
كان ذا نخوة وعلى استعداد لتقديم مساعدة فورية لمن يطلبها. وحتى في الكروم كان أحياناً يطلب منه (الكرّامة بتشديد الراء) كي يساعدهم في تحميل العنب فيذهب ركضاً ويلبي حاجتهم. وحدث ذات مرة عندما طلب منه الجيران في الكروم أن يساعدهم أنه أجهد ذاته فوق اللزوم وتسبب له ذلك الإجهاد بألم حاد. ومع ذلك لم يكن يتذمر وكان على استعداد لمعاودة الكرّة حسب الطلب.
في كالسي هايز كان أحد العمال الأقوياء يمزح بخشونة مع أحد أبناء العرب وقد ضايقه كثيرا. فما كان من حمد إلا أن أمسك رقبة ذلك القوي بيده اليمنى – من الخلف – وضغطها ضغطة قوية جعلت ذلك الشخص يرخي قبضته عن ابن العرب على الفور.
في فترة ما حصل سوء تفاهم بينه وبين العم أبو سعيد محمد مسعود ولكن حدث تصافي فيما بعد. فعندما ذهب عمنا المرحوم أبو سعيد إلى البرازيل سنة 1969 أرسل لنا بطاقة يعرب فيها عن مودته وأمانيه الطيبة لنا ويخبرنا بأنه تذكـّرنا في تلك البلاد الجميلة فتأثرنا بها وأجبناه عليها برسالة رقيقة كتبها شقيقي حمد بخط يده ووقعناها على هذا النحو: ولداك حمد ومحمود مسعود.
كان أميناً على مصالح الغير أمانته على مصالحه الشخصية إن لم يكن أكثر من ذلك. ذات مرة أقام في كرم الشعاف لفترة من الزمن قصد الدراسة. وذهبت مع والدي ووالدتي وشقيقي محمد إلى الكرم فمررنا بكرم جارنا المرحوم أبو شهاب حمد أبو صعب. كان محمد آنذاك صغير السن فقطف عنقود عنب أسودا من كرم جارنا أبو شهاب. ولما دخلنا كرمنا قال له أخي حمد: "هذا العنقود قطفته يا محمد من كرم جارنا ويجب أن تعيده إلى الدالية (الديّارة) التي قطفته منها." فأعاد محمد العنقود إلى حيث قطفه ولما عاد ناوله أخي حمد عنقوداً كبيراً بنفس اللون وقال له: "خذ. الآن باستطاعتك أن تأكل عنباً من رزقنا."
في أيامه الأخيرة وبينما كنت أذكـّره بأيام الشباب قلت له: "هل ما زلت تذكر الحيّة التي فسختها؟"
فضحك وقال: "طبعاً أذكرها وما كان ينبغي أصلاً أن يحدث ذلك."
ما حدث هو أنه أمسك ذات مرة بحية كبيرة عند وادي الملز قرب مطحنة عبد الهادي شرقي الرحى. فأدخل إبهاميه في فم الحية وشقها نصفين دون أن يصيبه أذى لحسن الحظ.  وقد روى هذه الحادثة شهود عيان اعترتهم القشعريرة من ذلك المنظر الرهيب.
عندما كان في الهند أخبرني بحادثة طريفة قال:
"كنت أدخّن سيكارة وأنا في القطار، وكان التدخين مسموحاً به في القطارات آنذاك، فما كان من أحد البلطجية الموكل إليهم ضبط الأمن في القطار (وكان من السيخ) إلا وطلب مني أن أطفئ السيكارة على الفور. ولكن بدلاً من أن أطفئها قرّبتها من شفتيه بقوة حتى لامستهما وقلت له: (على بالك تدخّن) فغضب وأراد أن يخرجني من القطار بالقوة لكن الحاضرين هبـّوا في وجهه وقالوا له دعه وشأنه، الحق عليك."
كما أخبرني أنه ذات مرة بينما كان عائداً في القطار من تورنتو إلى وندزر ويطالع كتاب (فلسفة الهند في سيرة يوغي) سأله أحد الركاب عن طبيعة الكتاب فقال له حمد:
 "هذه قصة حياة المعلم العظيم برمهنسا يوغانندا بالعربي."
 لكن ذلك الراكب الحصيف علـّق بالقول:
"لا أظن أن هذا الكتاب ينفعك، ويا ليتك تقرأ كتباً روحية غيره."
قال له حمد: "عندك وجهة نظر" ومد إليه يده ليصافحه. وما أن أمسك بيده حتى سلـّط قوة الكماشة عليها فكاد يسحقها، وقد أحس الرجل بألم حاد وأصيب بذهول كبير. فقال له حمد في تلك اللحظة: "والآن ألا تظن أنه كتاب نافع؟" فأجابه صاحب الرأي: "بكل تأكيد!" عندها ترك يده وواصل قراءة السيرة.
كان عزيز النفس متعففاً فوق العادة. وقد قال لي ذات مرة في هذا الشأن: "لم أقصد بيتاً في حياتي وفي نيتي الأكل أو الشرب من ذلك البيت. وكثيراً ما كان يتم إحضار الزاد ويلحّ عليّ أصحاب البيت كي أتناول الطعام معهم فأجد صعوبة كبيرة في تلبية طلبهم."
بعد كتابة هذه الخواطر أتتني رسالة بالبريد الإلكتروني من السيدة جانا إوبرافوديش صاحبة النزل الذي أقام فيه حمد في الفترة الأخيرة من حياته. تقول في تلك الرسالة:
"لغاية الآن لم أصدّق نفسي أن (حمد) قد مضى، وأجد من الصعوبة بمكان حبس دموعي أثناء كتابتي لك. لقد كانت تربطنا علاقة متميزة من المودة والإحترام وأشعر بوحشة كبيرة لفراقه."
ثم تضيف قائلة: "اتصلت بي كريستين من فريق الرعاية الصحية الذي كان يشرف أعضاؤه على حمد وقالت لي أن شخصاً جديداً إسمه حميد هو الآن تحت إشرافهم وكأنه صورة عن حمد في مرحلة الشباب. لكنني قلت لها: مستحيل يا كريستين لإن الله لا بد أنه حطـّم القالب بعدما خلق حمد ولا يمكن أن يأتي شخص آخر بمواصفاته."
ذكرت أنه كان قوي الإرادة من حيث ضبط النفس أو ضبط الهوى، وقد ساعده التحكم بذلك الدافع الخلاق على التحرر من الكثير من التعلقات الأرضية وفتح في عقله نافذة على بعد آخر كان يستمد منه قوى وتيارات لفكره وجسمه معاً وكأنه كان يطبق بذلك قول جرمانوس فرحات:
ضياء العقل مكسوفٌ بطوع هوىً
                     وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا
عندما حضر إلى كندا من بنما لم يساعده شخص واحد من أبناء الجالية في الحصول على الإقامة الدائمة. وعندما طلب من أحدهم المقيمين في مقاطعة أونتاريو آنذاك أن يكفله في دائرة الهجرة قال له ذلك الشخص: "كم معك من المال؟" ولما عرف أن إمكاناته كانت متواضعة جداً اقترح عليه أن يعود إلى بنما، قائلا له: "بعدما تعود إلى بنما سنقوم بالإجراءات اللازمة لإعادتك إلى كندا."
قال لي حمد: "تصور أنه لا يريد مساعدتي وأنا في كندا ويريدني أن أصدّقه بأنه سيساعدني بعدما أخرج من كندا."
عمل في قطع نبات التبغ في مدينة ليمنغتون بأونتاريو – عاصمة البنادورة في كندا –مثلما عمل بقطف البنادورة. كان يعمل ساعات طويلة بأجور قليلة يرسلها إلى أهله في الوطن ويحرم نفسه من الكثير من مباهج الحياة.
في الهند قام ذات مرة بإعطاء كل ما معه تقرياً من نقود للمتسولين، ولم يبق معه سوى ربع روبية. وعندما جاع لم يجد ما يكفي لشراء وجبة طعام ولم يتمكن من شراء سوى شريحة بطيخ أصفر (مرابي) بربع الروبية. عندما ذاقها وجدها مُرة ومع ذلك أكلها لتسكين جوعه.
عندما التحق بإحدى الجماعات في الهند تعجب من الشهية غير العادية لبعض ذوي العمائم واللحى. وقد أكد لي أن أحدهم يستطيع أن يأكل أربعين رغيفاً هندياً صغيراً (روتي) في وجبة واحدة! وعندما تعجبت، قال لي لا تتعجب فذات مرة نسف أربعة حوارنة منسفاً من الطبيخ في إحدى قرى الجبل.
كما قال لي أن واحداً من هؤلاء الجماعة أمسك ذات مرة بلحية شخص آخر من الجماعة فشدّها شداً عنيفاً وطرقه كفاً على وجهه فقال له حمد: "لماذا فعلت ذلك؟ وأين الحب الإلهي الذي تؤمن وتنادي به؟"
كان أخي حمد مؤمناً بوجود قوة في الكون وقد أملى علينا وهو ما زال في الوطن العبارة التالية:
"إن في الكون قوة خفية تأخذ حق المظلوم من الظالم، وعين الله ساهرة لا تنام."
عندما علمت بمرضه ذهبت لزيارته في كندا بعد التنسيق مع فريق الرعاية الطبية، وقد رافقتني شريكة حياتي مارجوري Marjorie. أخذت معي حطة المرحوم والدي. وما أن دخلنا الغرفة وسلمنا على بعضنا بكل شوق ومحبة وضعت حطة الوالد على رأسه وقلت له: "هذه حطة بيي" فلمسها بيده إذ كان بصره قد كف فلم يستطع رؤيتها، وقال: "بالله صحيح؟ هذه حطة بيي؟" قلت له نعم فراح يشمها وكأنه يشم رائحة الوالد من خلالها. كان الموقف مؤثراً للغاية وكانت دموع الفرح تسيل من عيون كل الحاضرين. ولما عرّفته على مارجوري التي ضمته وقبـّلت وجنتيه قال لها: you are more than a sister to me أي أنكِ أكثر من أخت بالنسبة لي. وكنا نجلس لفترات طويلة قربه. أنا أجلس إلى شمال سريره ومارجوري إلى يمينه فنمسك بيديه ونتحدث إليه فيبتسم ويبدي ارتياحاً كبيراً لوجودنا معه.
وقد تحدثنا مطولاً واستعدنا ذكريات بعيدة وضحكنا ضحكات طويلة وكان يقول لي:
"المحبة لا تموت يا محمود."
خلال العشرة أيام الأخيرة من حياته رأيت أخي حمد مثلما عرفته في عز الشباب، وكأن الله سبحانه وتعالى قد امتن علينا بذلك اللقاء الإستثنائي حيث جددنا فرحنا ببعضنا وكأننا لم نفترق سوى ساعات قليلة لا سنين طويلة.
كانت روح الفكاهة ما زالت بألف خير عنده وكان الضحك يخفف عليه الألم. أما وجهه – ولا أريد المبالغة هنا – فكان لا ينبئ عن عمره، وقد بدا فعلا أصغر من عمره الفعلي بحوالي الثلاثين سنة، ويشهد على هذا الكلام بوليفر ابن أختي بهية، الذي حضر من ولاية فلوريدا الأمريكية للسلام عليه وتوديعه إذ كان ذلك هو اللقاء الوحيد بين بوليفر وخاله حمد. وقد كانا يكنان محبة عميقة لبعضهما البعض.
عندما حضر بوليفر كان أخي حمد في شبه غيبوبة فلم يبدُ أنه كان على دراية بوجوده. أمسك بوليفر بيده فسألت حمد ما إذا كان على دراية بوجود بوليفر فلم تظهر منه أية بادرة تشير إلى ذلك. أمسكت بيده وطلبت منه كي يضغط على يدي إن كان على علم بوجود بوليفر، فلم أشعر بأي ضغط على أصابعي. أخيراً قلت له أن يرفع حاجبيه إن كان على دراية بوجود بوليفر ولا يستطيع أن يضغط على يدي، وعلى الفور رفع حاجبيه فعرفنا أنه أحس بوجود بوليفر قربه. بعد ذلك بحوالي الساعتين انتقل إلى جوار ربه والنور يشع من وجهه. وليعذرني القارئ الكريم إن لم أصف تلك الساعة التي تعصى على الوصف.
فيما يلي تجربة حصلت أثناء إحدى زياراتي له، وكنت قد نشرتها على السويداء نت بعنوان (من غيبوبة الموت إلى يقظة الحياة."
منذ حوالي الشهر تم إدخال شقيقي حمد إحدى المستشفيات في كندا بعد التأكد من إصابته بسرطان الرئة. وقد قال لنا الأطباء أن حالته غير قابلة للشفاء، ومع ذلك واصلوا علاجه بالأشعة لغاية أمس الأول حيث قرروا وقف العلاج ومواصلة إعطائه الأدوية الكفيلة بالتسكين وتخفيف الألم.

وقد تواصلت زياراتي له (من الولايات المتحدة إلى كندا) على أساس يومي، حيث أقضي كل يوم بضعة ساعات بجانبه محاولا تقديم ما يمكنني تقديمه له من خدمة متواضعة لا تقاس بالخدمات المتميزة التي يتلقاها من فريق الرعاية الصحية والطبية في المستشفى. ومن أجمل اللحظات التي قضيناها ونقضيها معاً تلك التي يستعيد بها ذكريات الرحى التي مضى عليها قرابة النصف قرن وكذلك ذكريات سنيّ الغربة التي قضيناها معاً في كندا.

المرض في مرحلة متقدمة ولا شفاء منه وهو يعرف ذلك ويواجه قدَرَه بجرأة وتسليم لإرادة الباري عز وجل. والذي سأذكره هنا لا يعني أن شقيقي حمد سيشفى مما هو فيه إنما قررت أن أعلن هذه الحادثة التي اعتبرها أطباء المستشفى والأخصائيون في هذا المجال فريدة من بابها.

منذ يومين (يوم الثلاثاء) ذهبت لزيارته كالمعتاد فوجدته في غيبوبة عميقة يتنفس تنفساً بطيئاً وكانت المرة الأولى التي لم يفطن لوجودي بجانبه. حاولت التحدث إليه لكن لم تبد منه أية استجابة إطلاقا. أمسكت بيده (كما فعلت في مرات سابقة) وطلبت منه أن يضغط على أصابعي إن كان لا يستطيع الكلام فلم أشعر بأي ضغط أو محاولة ضغط من جانبه على الإطلاق.

عندما سألت الطبيب والممرضات قالوا لنا أنه دخل مرحلة الغيبوبة التي تسبق الوفاة وإنه الآن في طور الاحتضار. استفسرت منهم ما إذا كان سيعاوده الوعي فكان جوابهم بالنفي القاطع بحسب خبرتهم الطويلة في هذا المجال. وكانت تصريحاتهم مطابقة لانطباعاتي الخاصة، وكانوا يتوقعون مفارقته الحياة خلال ساعات معدودات.

وإذ لم يعد قادراً على الاستجابة ودّعته يوم الثلاثاء الوداع الأخير.

قبل دخوله حالة الغيبوبة كان المكلفون بإحضار وجبات الطعام يجلبوها إلى غرفته في مواعيدها ويضعوها على الطاولة. أما يوم الثلاثاء وبما أن حالته أصبحت معروفة فقد قرع الممرض الباب وسألني إن كنت أريده أن يأتي بالطعام إلى الغرفة – بعد أن كان قد سمع عن حالته – فأجبته أن لا ضرورة لذلك فعاد بالطعام. وكنت قد أبلغت بعض الأهل عن حالته التي لا عودة منها.

و قبل الغيبوبة أيضاً كان موظفو المستشفى يفكرون بنقله من المستشفى إلى إحدى المرافق الخاصة بتقديم المسكنات دون العلاج لأن العلاج أصبح غير ذي جدوى. وعندما دخل الغيبوبة قرروا إبقاءه في المستشفى حتى يفارق الحياة.

البارحة صباحاً تلقيت مكالمة من المشرفين عليه تفيد بأنه استعاد وعيه قليلا أثناء الليل وقال: محمود! محمود!
ما أن سمعت ذلك حتى توجهت على الفور إلى كندا لا أكاد أصدق أنه استرد ولو جزء بسيط من وعيه. وعندما وصلت وجدته في حالة واعية بخلاف ما كان الأطباء والممرضات قد أكدوه لي وما لمسته بنفسي.

طبعاً كان فرحي لا يوصف لأن أصرف ولو دقيقة واحدة مع شقيقي الحي بعد أن كان في حكم مفارقي الحياة أو الوعي بالحياة. جلست بقربه وأمسكت بيده وقلت له: هل أحسست البارحة بوجودي بقربك؟
قال:  لا.  قلت: لقد أمسكت بيدك وطلبت منك أن تضغط عليها فلم تستجب.
فما كان منه أن تبسّم ووضع قبضته اليمنى حول معصمي الأيمن وراح يضغط. أذكرها هنا والله على ما أقوله شهيد. ضغط بقوة حتى لم أتمكن من تحريك أصابع يدي بحرية وقد احتقن الدم في الأصابع بفعل الضغط وأحسست كذلك ببعض الألم. وبقي ممسكا بيدي لبضعة دقائق وهو يبتسم مؤكدا لي أن الحياة ما زالت تنبض فيه. بعد قليل جيء له بالطعام. قلت له: ما رأيك ببعض الشوربة؟  قال: (مناكل شوربة) فقرّبت الوعاء منه وناولته الحساء ملعقة ملعقة حتى أتى على كل الشوربة وشرب من بعدها كأس ماء.
بعد ذلك قرر موظفو المستشفى نقله إلى المرفق الآخر لأنهم وجدوه في وضع يسمح بنقله. لحقت به إلى مكانه الجديد. وأمضيت ساعات طويلة بجانبه نتبادل الذكريات والأحاديث. وقلت له فيما قلت: ’هل تذكر هذا البيت من الشعر الفكاهي الذي قلته أنت منذ أكثر من ثلاثين عاما؟‘ وذكرته له.  فما كان منه أن صحح إحدى الكلمات قائلا: هكذا قلت.

وكان يضحك ملء قلبه لبعض الطرائف الجبلية القديمة. وبين الحين والآخر أسأله ما إذا كان كلامي يتعبه فيجيب "حدّث، حدّث. الإستماع لا يتعب."

وعندما أحضروا له الطعام أسعفته في تناول فنجان محترم من الشوربة التي استطيبها بعد أن وثق من خلوها من اللحم. وثنـّى على الشوربة ببعض الكسترد القريب من المهلبية. وقال: أكلنا وشربنا من فضل الله ونعمه.

تبادلنا المزيد من الأحاديث وكان لا ينفك بين الحين والآخر يردد إسم الله ويتحدث عن أهمية العيش بأمانة وصدق واستقامة مع النفس ومع الناس ومع الله.

بقيت بجانبه حتى استسلم للنوم فودعته بعد أن أمضيت معه حوالي العشر ساعات على أمل العودة إليه صباح اليوم.

ما ذكرته هنا لا يعني أن شقيقي حمد سيشفى مما هو فيه لأن حالته مستعصية. إنما شعرت أن حالة كهذه – أذهلت الأطباء والممرضات وكل من شاهده في حالة الغيبوبة النهائية ثم رآه وقد عاودته الحياة – تستحق الذكر.

بعد أيام قليلة سيفارقنا شقيقي حمد الفراق الأخير وهذه إرادة الله وهو ونحن راضون بحكمه تعالى وكنت قد مهدت لهذه المرحلة ببعض المقالات والأقوال عن الموت. إنما شدد شقيقي الحبيب كثيراً ويشدد على الرضاء والتسليم وعدم الحزن على الذين ينتقلون من دار الفناء والشقاء إلى دار النعيم والبقاء، حيث )وهنا ما قاله بالحرف الواحد( الفرح والطمأنينة والسلام والحرية.

وللأمانة أقول أنه خلال أحاديثنا الطويلة ذكر أقرباءه وأصدقاءه وأبناء بلده وزملاءه بكل مودة واحترام. أما ذاكرته فما زالت قوية كقبضة يده التي ذكرتها أعلاه.

في أيامه الأخيرة كانت نفسه في غاية الصفاء وكان وجهه يتحدث بفصاحة عن عمق إيمانه وتسليمه وكانت البسمة تعلو محياه بالرغم مما كان يعانيه من تقييد في الحركة وعدم القدرة على تحريك ساقيه. كان يطلب مني تعديل جلسته بين الحين والآخر أو رفع أو خفض السرير ليتسنى له الجلوس في وضع يسمح له بتناول الطعام. وذات مرة قال بينما كنت أمسك بكتفيه لأرفعه قليلاً: "يا ربي أنا في جيرتك."
عندما كان يطلب الماء ويشرب، كنت أقول له أحياناً "هنيئاً" فيجب "الله يهنيك."
أحياناً أقول: "هنية وعافية." فيجيب "هناك الله في الجنة والعافية."
في يوم عيد الميلاد قلت له: "عيد مبارك عليك." أجاب: "وعليك أبرك الأعياد."
أحياناً كنت أحييه بعبارة: "العوافي يا غانمين!" فيجيب: "يا هلا بالغانم."
قلت له ذات مرة: "بتعرف قديش بحبك؟" لم يجبني بل جذبني نحو صدره بقوة وقبلني معرباً لي بدوره عن مدى محبته لي."
ارتحل شقيقي حمد إنما ما زال حياً بمحبته ومبادئه وأفكاره وروحه الطيبة. أما الحفل التأبيني فقد كان بسيطاً وبليغاً في آن، وقد توافد المعارف والمحبون من كندا والولايات المتحدة ليودّعوه الوداع الأخير. الزهور التي غطت جسمه كانت رمزاً لمحبة ذويه وأصدقائه ومعارفه وما أكثرهم في مدينة وندزر! لقد سمعتها أكثر من مرة أن كل أهل وندزر كانوا يعرفون حمد، وأحياناً كان بعضهم يوقف السيارة في الطريق ويخرج للحظة كي يسلم عليه ويصافحه.
بدا وجهه وهو مسجى رصيناً وعلى شفتيه طيف ابتسامة طوباوية. وقد وضعت حطة الوالد تحت رأسه ومسبحة شقيقي محمد في جيبه وساعة شقيقي فوزي في زنده. كما أنزلت معه حجراًً من كرم الصفحى الذي كان يحبه كثيراً. ذلك الحجر كان قد جلبه لي معه شقيقي فوزي عندما حضر للزيارة في عام 1995.
الطقس كان ممطراً خلال الأسبوع الأخير من حياته، إنما يوم الدفن كان صافياً مشمساً وكأنه كان التكريم الأخير لتلك النفس الكريمة.
تم إلقاء الخطب باللغتين الإنكليزية والعربية. فيما يلي كلمتي باللغة الإنكليزية والتي لا يخرج مضمونها كثيراً عن محتويات هذه السيرة:
I wish to thank all those who helped my brother in his final years, especially Kristin, Jana, Penny, Guy, Julia, and the rest of the loving and caring team who are indeed angels of mercy and compassion that make life precious and more worth living.

Now a few words about Hamad:
We were four sisters and four brothers and Hamad was the eldest. We all looked up to him and he was very caring and protective of us. He wanted the best for us and would urge us to outdo ourselves that we may succeed in life.

He was unusually brave, direct, and never minced his words. Yet he was generous almost to a fault, kind, and friendly.

Hamad was very handsome and popular in our village Raha. He was the second tallest in the village and made quite an impression.

Prior to our recent reunion, he and I saw each other the last time in 1980. We communicated a few times in between but for some reasons we weren’t able to keep in touch or see each other often.

Thanks to Kristin and her caring team, Hamad’s true nature came to the fore and I was overjoyed to see him again in that sweet and approachable manner that I cherished in my childhood and early youth. In the last seven or eight days we spent together we relived treasured memories—some almost a half a century old.

And because he made a lasting impression on me in my childhood I was able to remember numerous and humorous incidents associated with him. So I shared with him many jokes and together we laughed and smiled.
 
I am happy to have these precious days with my dear brother Hamad.

I also want to thank my dear wife Marjorie who also enjoyed those hours with Hamad.

Further, I wish to thank all of you here—friends and well wishers who rose to the occasion and came to join us in bidding a lasting farewell to our dear Hamad.

 كما ألقت السيدة كريستين بومان من فريق الرعاية القصيدة التالية التي أثبتها هنا مع ترجمتها:
Once more we say good bye to our beloved Hamad dear,
Who is now roaming the untrodden soil.
Who has triumphantly passed the tests severe,
And made a final exit after the toil!

من جديد نودع حبيبنا الغالي حمد
الذي يجوب الآن الأرض التي لم تخطر عليها قدم..
الذي تخطـّى بنجاح كل العقبات والمحن
وخرج الخروج الأخير بعد الكد والعناء.

And though we will not see him here again,
Nor hear his familiar voice as before;
Yet we shall sense his love as a gentle rain,
As a soft echo on a distant shore.

ومع أننا لن نراه ثانية هنا
ولن نسمع صوته الذي ألفنا سماعه من قبل
لكننا سنشعر بحبه كرذاذ المطر الخفيف
وكالهمس الرخيم الآتي من الشاطئ البعيد.

Rest in peace dear Hamad, and have no fear.
Now that you have made it to the other sphere!
اهجع في سلام أيها الغالي حمد ولا تخف شيئا
لأنك بلغت الآن العالم الثاني!

May The Divine Light shine forever on Hamad’s soul and may God’s peace and mercy be upon him throughout eternity!
ألا فليشرق النور الإلهي للأبد على روح حمد وليغمره الله بسلامه ورحمته طوال الأبد.

فيما يلي القصيدة التي ألقيتها بالإنكليزية مع ترجمتها العربية:

Whenever I think of the distant past,
And invoke those years now bygone,
I glimpse your dear image and instantly recall
The unique brotherly love that existed between our souls.

كلما فكرتُ بالماضي البعيدْ
ورجعتُ سنواتٍ للوراءْ
ألمحُ طيفـَكَ يظهرْ ليعيدْ
عهدَ ودٍ وإخاء ٍ ووفاءْ

You were our example when we were young,
And were the focus of our adoration and love.
O how hard you worked that we may make it in life,
And gave as a ceaseless river—it is the truth.

كنتَ نبراساً لنا عندَ الصغرْ
وتمتعتَ بحب ٍ غامر ِ
وعملتَ جاهداً كي ننتصرْ
ومنحتَ مثلَ نهر  زاخر ِ

You left your homeland for our sake,
And helped us with a heart magnanimous and kind!
Thus we felt that we have someone whom we can call our own,
Someone who knows how to sacrifice and teach us the same.

وهجرتَ الوطنَ من أجلنا
وبذلتَ بشهامة ْ وسخاءْ
فشعرنا أن في الدنيا لنا
من يضحّي ويعلمنا العطاءْ

O beloved Brother, we miss you indeed,
And fondly remember the sweet old days that in memory persist.
Your love has been permanently etched in our hearts,
For you have won our respect and gratitude deep!

يا شقيقي ازددنا شوقاً للشقيقْ
وتذكرنا السنينَ الخالية ْ
حبكَ في القلب ِ ثابتْ وعميقْ
ومكانتكَ لدينا غالية ْ

We shall remember you and your kind deeds,
And may you be rewarded for your noble acts.
We send heartfelt greetings to your dear soul,
You are our own and likewise we are yours.

سوفَ نذكر لكَ أفضالا ً عميمة ْ
حفظ َ اللهُ  لكَ أفضالكَ
والتحياتُ إلى النفسْ الكريمة ْ
كثـّرُ الرحمنُ من أمثالكَ
لنا أنتَ مثلما نحنُ لكَ

عظم الله أجركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محمود عباس مسعود – الولايات المتحدة

Comments
أضف جديد بحث
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
الموقع الالكتروني:
العنوان:
كود UBB:
[b] [i] [u] [url] [quote] [code] [img] 
 
 
:angry::0:confused::cheer:B):evil::silly::dry::lol::kiss::D:pinch:
:(:shock::X:side::):P:unsure::woohoo::huh::whistle:;):s
:!::?::idea::arrow:
 

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."